تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
فاحتجزته قريش لديها . وسرت شائعة تقول إن عثمان قتل . وشرع المسلمون يعتقدون ان قريشا مصممة على القتال . لقد كان الموقف موقفا حرجا . فالمسلمون عزّل من السلاح تقريبا ، وعددهم أقلّ من عدد القرشيين بكثير . كانت قريش تتمتع دونهم بكل مظهر من مظاهر التفوق والامتياز . ولكن يا للايمان الراسخ بالرعاية الإلهية ! فحين أخفقت المفاوضات كلها ، وبدا تصميم العدو على سفك الدم ، لم يكن لمسلم أن ينقلب على عقبيه . ودعا الرسول أصحابه اليه ليبايعوه من جديد ، بالنظر إلى حرج الموقف إلى حدّ بعيد ، على القتال حتى آخر رجل فيهم ، دفاعا عن الدين . فبايعوه تحت شجرة ما ، مجاورة ، وملء نفوسهم البشر والابتهاج . وإنما تعرف هذه البيعة ، في التاريخ ، ب « بيعة الرضوان » . ولقد كانت عملا باسلا من أعمال التضحية بالذات في سبيل الحق ، يعزّ نظيره ، كما كانت حدثا بارزا في تاريخ الاسلام . وبعد وفاة الرسول ، أخذ الناس يكثرون من الاختلاف إلى تلك الشجرة التي أحيت ذكرى ذلك القرار البطوليّ . فلم يكن من عمر ، الخليفة الثاني ، إلا أن أصدر أمره بقطعها مخافة أن تضفي عليها سلامة النية ، آخر الأمر ، ضربا من القداسة . إلى هذا الحد انتهت غيرة المسلمين الأولين على مبدأ وحدانية اللّه . فلم يكن في ميسورهم أن يتسامحوا بكل ما له نكهة كنكهة الوثنية ، أيا ما كانت أهميته أو طرافته التاريخية . وكان في عزم المسلمين على إراقة آخر نقطة من دمهم دفاعا عن دينهم ما ردّ قريشا إلى صوابها . والحق ان تجربتها الماضية نفعتها في هذا المجال . فقد أمسى في ميسورها الآن أن تدرك ما يعنيه مثل هذا القرار يتخذه المسلمون . وكان في امكانها ان تستشف الكارثة العظمى المدّخرة لها إذا ما جدّ الجد ، برغم ان المسلمين كانوا عزّلا من السلاح ، وكانوا دون عدوّهم عددا . وحملها ضعف معنويّتها هذا