تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حياة محمد ورسالته — صفحة 182

مساهمون:

ص١٨٢
كانوا قد بذلوا قصارى جهدهم غير مرة ، في تلك السبيل ، ولكن على غير طائل . وإلى هذا ، فأن عقد الصلح خليق به أن يمكّنهم من استئناف التجارة مع الشام ، تلك التجارة التي عطّلت بسبب الحرب مع المسلمين المسيطرين على طريقها . وهكذا أوفد القرشيون عروة [ ابن مسعود الثقفي ] سفيرا يفاوض المسلمين في شروط الصلح . وخلال المناقشة قال عروة ان من الخير للرسول أن لا يطمئن إلى أصحابه اطمئنانا كثيرا ، لأنهم سوف ينصرفون عنه في سهولة ويسر إذا ما ألمّ به خطب . فثارت ثائرة أبي بكر لدن سماعه هذا الكلام ، وصاح به [ منكرا ان ينصرف الناس عن رسول اللّه ] وعامله في شيء من القسوة . واتفق ان أذّن لصلاة العصر وعروة هناك ما يزال . حتى إذا قام الرسول يتوضأ شاهد عروة أصحاب الرسول يبتدرون وضوءه فلا يدعون نقطة من الماء الذي توضأ به تسقط على الأرض . إلى هذا المدى قادهم حبّهم لشخص الرسول . والواقع أن هذا المشهد ترك في نفس عروة اثرا عميقا . صحيح ان المفاوضات أخفقت آخر الأمر ، ولكن عروة حمل إلى قريش انطباعته عن الاحترام العظيم الذي أكنّه الصحابة للرسول . لقد قال لهم : « يا معشر قريش ، إني جئت كسرى في ملكه ، وقيصر في ملكه ، [ والنجاشيّ في ملكه ] وإني واللّه ما رأيت [ ملكا ] في قوم قط مثل محمد في أصحابه . [ لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه ، ولا يسقط من شعره شيء إلا أخذوه ، وإنهم لن يسلموه لشيء أبدا ، فروا رأيكم . ] » وبعث الرسول إلى قريش بموفد آخر ، ولكنهم أساؤا معاملته ، وعقروا جمله . ليس هذا فحسب ، بل لقد خرجت سريّة قرشية مسلحة ابتغاء أخذ المسلمين على حين غرّة ، ولكن المسلمين أسروهم . وأيا ما كان فسرعان ما خلّى الرسول سبيلهم جميعا لأنه لم يأت ابتغاء القتال . وأخيرا عهد إلى عثمان [ بن عفان ] في مفاوضة قريش ،
حياة محمد ورسالته — صفحة 182 | مولانا محمد علي / منير بعلبكي