ثمّ على هذين المذهبين إنّما يتمّ قبل إكمال الدين لا بعده
شرح
ثم قال المحدّث الاسترآبادي : انّه على القول الأوّل ، يمكن أن يقال بالبراءة في الشبهة الحكمية ، إذ لما لم يرى العقل حسنا ولا قبحا في شيء فمن أين يحتمل التكليف الالزامي الوجوبي أو التحريمي حتى يحتاط فيه ؟ ، وعلى القول الثاني ، يمكن القول بالبراءة أيضا ، إذ لا تلازم بين حكم الشرع وحكم العقل ، فمن الممكن أن يكون الشيء حسنا ولا يوجبه الشارع ، أو قبيحا ولا يحرّمه الشارع .
أمّا على القول الثالث : فلا يمكن القول بالبراءة ، بل يلزم القول بالاحتياط لاحتمال العقل في مورد الشبهة : حسّنها أو قبّحها ، فيلزم أن يحتاط فيها .
هذا ، لكن انا الاسترآبادي أقول بالقول الثاني ، فانّه وانّ كان مقتضاه : البراءة ، الّا اني أقول : انّ ذلك قبل اكمال الدين ، أما بعد اكماله حسب الآيات والرّوايات في زمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فلا بد من الاحتياط وذلك لوجود الحكم الواقعي قطعا ، ولكن حيث لا نعلمه يلزم علينا الاحتياط لئلا نخالف الحكم الواقعي بسبب اجراء البراءة .
وإلى مذهبه هذا أشار بقوله : ( ثمّ على هذين المذهبين ) أي : مذهب من ينفي الحسن والقبح الذاتيين ، ومذهب من يقول بالحسن والقبح الذاتيين ، لكنه يقول لا ملازمة بين حكم الشرع وحكم العقل ( إنّما يتمّ ) التمسك بالبراءة الأصليّة في الشبهات الحكمية الوجوبية والتحريمية ( قبل اكمال الدّين لا بعده ) .
وانّما يتم قبله لا بعده لأن كثيرا من الوقائع قبل اكمال الدين لم ينزل اللّه به حكما شرعيا ، فكان من الممكن أن نقول بانتفاء الحرمة واقعا في الشبهة الحكمية التحريمية ، أو بانتفاء الوجوب واقعا في الشبهة الحكمية الوجوبية ، لكن بعد