واعلم : أنّ هذا الدليل العقليّ ، كبعض ما تقدّم من الأدلّة النقليّة ، معلّق على عدم تماميّة أدلّة الاحتياط فلا يثبت به إلّا الأصل في مسألة البراءة ولا يعدّ من أدلّتها بحيث تعارض أخبار الاحتياط .
شرح
فلو قيل : ان الغرض من تكليف الجاهل : صدور الدعاء ، أو ترك التتن على نحو القضية الاتفاقية ، أي : اتفاقا وصدفة يصدر منه الفعل والترك وذلك من دون توجه الشاك إلى التكليف ، ومن دون أن يكون التكليف المجهول محركا ، كما في سائر المباحات ، حيث إن الانسان قد يرتكبه وقد لا يرتكبه صدفة .
قلنا : جعل هذا الأمر الأحياني والاتفاقي غرضا للتكليف عبث ، لوضوح : ان الدعاء قد يحصل أحيانا صدفة والتتن قد يترك أحيانا صدفة ، سواء كان في الواقع تكليف أم لم يكن ؟ .
وعليه : فلا يمكن أن يكون مراد ابن زهرة ومن تبعه من كلامه : بان التكليف بما لا طريق إلى العلم به تكليف بما لا يطاق ، الّا ما ذكرناه : من الاحتمال الأوّل وهو : ان مراده : الامتثال به واتيانه بقصد الطاعة .
( واعلم : انّ هذا الدليل العقلي ) الذي ذكره ابن زهرة ( كبعض ما تقدّم من الأدلّة النقلية ) من الكتاب والسنّة والاجماع ( معلّق على عدم تمامية أدلّة الاحتياط ) ومع تماميتها لا يبقى مجال لهذا الدليل ، إذ موضوع هذا الدليل هو :
التكليف بما لا طريق إلى العلم به ، والحال ان دليل الاحتياط يكون سببا للعلم .
وعليه : ( فلا يثبت به ) أيّ بهذا الدليل العقليّ الذي أقامه ابن زهرة ( الّا الأصل في مسألة البراءة ) أيّ : ان هذا الدليل العقليّ يدل على البراءة فيما إذا لم يكن هناك دليل على خلاف البراءة ( ولا يعدّ من أدلتها ) أيّ : من أدلة البراءة ، كما للاحتياط أدلة ( بحيث تعارض أخبار الاحتياط ) .