الأفاضل انّ الموضوع ما يحمل عليه أحد الأحكام كالصّلاة والغسل وغيرهما والمتعلّق ما كان له مدخليّة في ثبوت الحكم أو نفيه ولم يكن حكما ولا موضوعا له كاستصحاب الوضع والمعنى اللّغوىّ وغيرهما وينقسم كلّ منهما إلى قسمين لأنّه امّا من الأمور الشّرعيّة بمعنى الماهيّات الجعليّة للشّارع أو الآثار المترتّبة على الأسباب الجعليّة للشّارع كالطّهارة والنّجاسة والزّوجيّة والرّقيّة ونحوها وامّا من الأمور الخارجيّة كالرّطوبة والجفاف واليوم واللّيل ونحو ذلك هذا واعلم انّ في باب البراءة والاستصحاب فوائد مهمّة واشكالات عويصة طوينا عنها خوفا عن التّطويل واستغناء بما ذكرناه في الوسيلة من الكلام الطّويل
79 عقد وحلّ
قد سبق إلى بعض الأوهام انّ ما حقّقه الأعلام من انّ الأحكام الشّرعيّة مبتنية على المصالح والمفاسد النّفس الأمريّة ومنبعثة عنها لا يجتمع مع ما اتّفقوا عليه عدا من لا يعتد بخلافه من جواز النّسخ بل وقوعه في الشّرائع لأنّه يلزم منه امّا انقلاب الماهيّة أو الامر بالقبيح والنّهى عن الحسن أو اجتماع الضدّين واللّوازم بأسرها ظاهرة البطلان والملازمة غير خفيّة وقيل أو يقال في دفعه وجوه أحدها انّ الأشكال انّما يتوجّه لو سلّم كون جميع الأحكام الشّرعيّة ممّا يتبع الحسن والقبح وهو غير مسلّم إذ المعلوم انّها مسبّبات عن أمور واقعيّة ومنبعثات عن العلل النّفس الأمريّة سواء كانت هي الحسن والقبح أم غيرهما وأنت خبير بما فيه ثانيها انّ الفعل بدون انضمام الجهة المقتضية للنّسخ حقيقة ومعه حقيقة أخرى فيكون هناك ماهيّتان وفيه نظر ظاهر ثالثها انّ موضوع الحكم المشتمل على المصلحة أو المفسدة هو الأمر المقيّد بالقيود الخاصّة المشخّصة من الكمّ والكيف والأين والمتى وغيرها فيزول المصلحة والمفسدة بزوالها وبعبارة أخرى الجهات الموجبة لاختلاف الحكم تقييديّة لا تعليليّة رابعها انّ الفعل المنسوخ طبيعة كلّيّة قابلة للتّحصلات المختلفة بحسب اختلاف الأسباب والعلل والقوابل فيمكن ان يكون اختلاف التّحصّلين المتعلّقين بالفعل في الزّمانين السّابق واللّاحق مستندا إلى شيء من تلك الأمور وضعف هذين الوجهين ظاهر أيضا خامسها وهو أقواها انّ الأشكال انّما يرد على القول بكون الحسن والقبح ذاتيّين للأفعال أو مستندين إلى الصّفات اللّازمة وامّا على القول بكونهما بالوجوه والاعتبارات فلا توضيح ذلك انّهم اختلفوا في المسألة المشار إليها على أقوال ستّة الأوّل انّهما ذاتيان ذهب اليه قدماء المعتزلة واختاره من أصحابنا السّيّد الدّاماد في محكى السّبع الشّداد والثّانى انّهما مستندان إلى الصّفات اللّازمة ذهب اليه جماعة من المعتزلة أيضا والثالث انّهما مستندان إلى الوجوه والاعتبارات اختاره الجبائية واليه ذهب جماعة من أصحابنا منهم الشّيخ البهائي ره والرّابع ما ذهب اليه أبو الحسين المعتزلىّ وهو التّفصيل بين الحسن والقبح فالأوّل ذاتىّ والثّانى وصفيّ والظّاهر انّ مراده الوصف اللّازم والخامس انّهما مستندان إلى الذّات تارة وإلى الوجوه والاعتبارات أخرى ذهب اليه شرذمة منهم المحقّق الجمال ره والسّادس التّوقّف فمن جعلهما مستندين إلى الذّات أو الصّفات اللّازمة توجّه عليه الأشكال وعليه الدّفع وامّا من قال باستنادهما إلى الوجوه والاعتبارات فهو في سعة وراحة فيمكن ان يستدلّ بوقوع النّسخ المنافى للذّاتيّة على بطلان القول بها وصحّة القول بالاستناد إلى الوجوه وقد حقّقنا ما ادانا اليه النّظر وهدانا اليه الدّليل في محلّه
80 عقد وحلّ
قد طالما سنخ في البال اشكال لم يلتفت اليه أهل الفضل والأفضال وهو انّه ورد في الخبر انّ اوّل من قاس إبليس لعنه اللّه مع انّ الظّاهر انّ الملائكة قد سبقوه بالقياس حيث قالوا بعد اخبار اللّه تعالى بانّه
جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
الآية فانّهم قاسوا آدم عليه السّلم بالجنّ والنّسناس الّذين أفسدوا في الأرض وسفكوا الدّماء وانتهى القوّة الفكريّة في دفعه إلى وجوه الأوّل انّه استقراء لا قياس فانّهم لمّا استقرءوا المخلوقات الأرضيّة ورأوا منهم الإفساد حكموا بانّ كلّ مخلوق من المخلوقات الأرضيّة يكون كذلك ويؤيّده ما عن تفسير العيّاشى عن الصّادق عليه السّلم قال وما علم الملائكة بقولهم أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء لولا انّهم قد كانوا رأوا من يفسد فيها ويسفك الدّماء وفي تفسير الإمام عليه السّلم فقالوا ربّنا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدّماء كما فعلت الجنّ بنوا الجانّ الّذين قد طردناهم من هذه الأرض وهذان وان أمكن حملهما على القياس أيضا الّا انّه لا بدّ من حملهما على غيره جمعا بينهما وبين ما أشرنا اليه الثّانى انّ القياس المحرّم المذموم المنهىّ عنه هو القياس المتعلّق بالأمور التّشريعيّة والعبادات التّوقيفيّة والأحكام العمليّة واوّل من صدر منه ذلك هو إبليس حيث استعمل القياس في ترك السّجود على آدم ع وامّا القياس في الأمور التّكوينيّة المتعلّقة بالخلق والإيجاد يمكن تقدّمه وغيره فلا دليل على حرمته ولا سبيل إلى ذمّه وما صدر من الملائكة من هذا القبيل الثّالث انّ قياس إبليس وان كان متاخّرا عن ذلك بحسب الظّاهر الّا انّه يمكن تقدّمه بحسب الباطن فانّه استعمل ذلك القياس منذ أراد اللّه ان يخلق آدم واظهر للملائكة ويؤيده ما ورد في الخبر الطّويل المروىّ في البحار عن كتاب الأنوار لأبي الحسن البكري أستاذ الشّهيد الثّانى ره عن مولانا أمير المؤمنين عليه السّلم قال ع إلى أن أراد اللّه ان يخلق آدم على نبيّنا وآله وعليه السّلام ثمّ امر اللّه تعالى جبرئيل ان ينزل إلى الأرض ويأخذ منها قبضة لخلق جسد آدم ع فسبقه إبليس إلى الأرض وقال لها انّ اللّه تعالى يريد ان يخلق منك خلقا يعذّبه بالنّار فإذا جاءت الملائكة ليأخذوا منك شيئا فقولي انّى أعوذ باللّه ان تأخذوا منّى شيئا يكون للنّار فيه حظّ ونصيب فلمّا نزل جبرئيل استعاذت الأرض منه باللّه سبحانه ان يأخذ منه شيئا يكون للنّار فيها نصيب فرجع جبرئيل وقال يا ربّ انّ الأرض استعاذت بك منّى فرحمتها الخبر بل يمكن ان يكون استعماله القياس قبل ذلك أيضا حين نظر هو والملائكة في الألواح العلميّة واطّلعوا على كيفيّة خلق آدم ع وامر اللّه الملائكة بالسّجود له بل ورد على ما يخطر ببالي انّ الملائكة وإبليس رأوا في الألواح انّ اللّه يأمر الملائكة بسجود آدم ع وهم يطيعون لكن واحدا منهم يعصى اللّه وكلّ منهم يحتمل العصيان في حقّ نفسه ولا يحتمله أحد في حقّ إبليس لكثرة عبادته ووعظه للملائكة وتزهّده في الظّاهر الرّابع انّ اخبار الملائكة بالإفساد وسفك الدّماء لم يكن مستندا إلى قياس حال الخليفة على حال الجنّ والنّسناس بل إلى مطالعة اللّوح المحفوظ أو الألواح الجزئية السّماوية حيث انّه قد جرى القلم فيها بما هو كائن إلى يوم القيمة ووجه سؤالهم عن ذلك حينئذ امّا علمهم بجواز البداء أو استفسار الحكمة في ذلك الخامس انّ ذلك وقع منهم بعد اخبار اللّه تعالى بانّه إذا كان في الأرض خلق عظيم سفكوا الدّماء أو اخباره بذلك في حقّ ذرّيّة آدم ع بالخصوص ويشهد به ما يروى عن ابن مسعود وغيره انّ اللّه تعالى لمّا قال للملائكة انّى جاعل في الأرض خليفة قالوا ربّنا وما يكون الخليفة قال تكون له ذرّيّة يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا فعند ذلك قالوا ربّنا أتجعل فيها أو اخباره بما يفيد ذلك فانّ اللّه تعالى لمّا خلق النّار خافت الملائكة وقالوا ربنا وسيّدنا لمن خلقت هذه النّار قال لمن عصاني من خلقي ولم يكن يومئذ للّه خلق غير الملائكة فلمّا قال انّى جاعل في الأرض خليفة عرفوا انّ المعصية منهم السّادس انّهم انّما قالوا ذلك لعلمهم بانّ العصمة المانعة عن الإفساد والسّفك من خواصّ نوعهم بحيث لا توجد في غيرهم ويلزمه ترتّب اللّوازم قهرا فلم يكن ذلك من
جهة ما اطّلعوا عليه من فساد الجنّ وغيرهم السّابع انّهم استفادوا ذلك من اطلاق لفظ الخليفة على آدم عليه السّلم فانّ الخلافة هي النّيابة عن اللّه تعالى في القضاء والحكم ولا يحتاج