محمل لم يتفطّن السّامع له فينكره فيكفر من حيث لا يشعر فلو كان عمدة التّنافى من جهة التّقيّة لم يكن في انكار كون الخبر من الإمام عليه السّلم مفسدة فضلا عن كفر الرّادّ أقول ومن اللّه التّسديد القوّة الفكريّة تميل إلى ما اختاره صاحب الحدائق ولا يوحشني كونه اخباريّا إذ ليس كلّ ما يقوله الاخبارى ممّا يجب ان يحكم ببطلانه بجرم اخباريّة قائلة وان كان حقّا فالتّحقيق انّه لا شكّ انّ من جملة ما يحصل به مشابهة العامّة كثرة اختلاف الشّيعة في أقوالهم ورواياتهم ولأجل حصولها أوقعوا الخلاف بين شيعتهم كما يدلّ عليه صحيحة أبى خديجة عن أبي عبد اللّه عليه السّلم قال سأله انسان وانا حاضر فقال ربّما دخلت المسجد وبعض أصحابنا يصلّى العصر وبعضهم يصلّى الظّهر فقال انا امرتهم بهذا لو صلّوا على وقت واحد لعرفوا واخذ برقابهم وكذا موثّقة زرارة الّتى نقلناها في الوسيلة فان قيل موثّقة زرارة على خلاف المطلوب اوّل لأن ان صدور الأجوبة المختلفة من الإمام ع كان لعلمه بانّ بمضمون كلّ جواب قائلا من العامّة قلنا من تامّل في الحديث وتفكّر في السّؤال والجواب يعرف انّ ما ذكر خلاف ظاهره سيّما إذا لوحظ قوله عليه السّلم ولو اجتمعتم على امر واحد لصدّقكم النّاس علينا ولكان أقل لبقائنا وبقائكم والّذى يرشد إلى ما ذكرناه الرّواية الأولى حيث انّ الاختلاف المذكور فيها ممّا لم يقل بالتّوقيت المنطبق عليه أحد من العامّة فيما علمناه وقد جعله ع علّة للدّفاع والأنصاف انّ من تتبّع الأخبار وجد فيها اخبارا كثيرة لا يوجد قائل منهم بمضمونها فان قيل فليحمل أمثال ما ذكر على غير التّقيّة من بيان سرّا وتأويل بباطن كما ادّعاه بعض الاعلام قائلا ما ملخّصه انّه ما من شيء الّا وله ذات وصفات متعدّدة متغايرة ترتّب عليها احكام مختلفة فلو سئل العالم النّحرير عنه مرارا وأجاب كلّ مرّة بجواب مخالف للجواب السّابق كانت الأجوبة كلّها صادقة في نفس الامر وان لم يعلم السّائل وجه صحّتها فيجب عليه التّسليم قلنا انّا لا ننكر ابتناء الاختلاف أحيانا على مصالح أخر وانّما مقصودنا منع انحصار الأمر فيها وامّا ما يقال في الجواب من انّ ما صدر عنهم ع من ذلك القبيل اوصوا بكتمانه وحذروا من بيانه والدّاعى إلى ذلك هو الخوف والتّقيّة أيضا فليس على ما ينبغي بل وجه ايصائهم بالكتمان غالبا افتتان الموادّ الغير القابلة لادراك اسرارهم كما يدلّ عليه كثير من كلماتهم لا مجال لذكرها فان قيل إذا لم يكن الحكم موافقا لمذهب أحد من العامّة يكون رشدا وصوابا لما ورد في الأخبار من انّ الرّشد في خلافهم فكيف يعدّ مثل ذلك تقيّة قلنا كون عدم الموافقة اعمّ من الرّشد في غاية الظهور والمراد من كون الرّشد في خلافهم انّ الشّيعة من حيث انّهم شيعة ينبغي ان يكون بنائهم على مخالفة العامّة من حيث انّهم المخالفون كما انّ بنائهم كذلك كما يدلّ عليه الكلام المنقول عن أبي حنيفة المشهور في الألسنة والحاصل انّهم من حيث انّهم العامّة لا يعبأ بهم وان كان قد يوافق قولهم قولنا مضافا إلى ما قيل من انّه لو كان كلّ ما خالفهم حقّا لكان كثير من احكام الملل المخالفة لهم ولنا حقّا وليس كذلك وان كان لا يخلو عن مناقشة حيث انّ الغرض حقّية ما خالفهم من أقوالنا لا حقّيّة كلّ ما خالفهم وان خالفنا أيضا ومن هذا القبيل رد الأكثر ما دلّ على وجوب القصر في قاصد الأربعة فراسخ الغير المريد للرّجوع ليومه وان خالف مذاهب العامّة فانّه مخالف للمعروف من مذهبنا فافهم فان قيل أليس المراد من الرّشد في كلامهم هو الرّشد الواقعي فبعد ذلك يتمّ المطلب إذ لا مجال ح لإرادة الرّشد من جهة مجرّد دفع الضّرر والّا كان جميع ما ذهب اليه العامّة رشدا قلنا يعرف جواب ذلك ممّا حققناه في بيان معنى الفقرة فان قيل غير خفىّ على المتامّل المتتبّع انّ العامّة كانوا يؤذون الخاصّة وان لم يظهر منهم ما يخالف مذهبهم فكيف إذا ظهر منهم ذلك وعلى هذا فكيف يأمر الامام ع شيعته بخلاف مذهبهم مع ما ترى منه ع انّه نهى عمّا لا يوافق المشهور من مذاهبهم وامر بمثل التّكليف الّذى يوافق المشهور بينهم مع انّ تركه موافق لقول مالك قلنا هذا على المورد لا له فانّه إذا لم نجر من الإمام ان يأمرهم بما لا يوافق شيئا من مذاهبهم وهو أعم
من المخالفة كما عرفت فكيف يجوز منه ان يأمرهم بالخلاف وجعل الرّشد فيه فالغرض نفس القاء الخلاف بين الشّيعة لا مخالفتهم للعامّة وجعل الرّشد فيها فان قيل مخالفة التّقيّة الممكنة لحصول بموافقتهم بايقاع الأحكام المختلفة بين شيعتهم لأجل التّقيّة من قبيل دفع الفاسد بالأفسد والمخوف بالأخوف بعد ملاحظة انّ حكم اللّه في الواقعة الخاصّة واحد قلنا قد ظهر ممّا ذكرناه انّ ايقاع الخلاف محصّل للتّقيّة ولا محذور فيه بالنّظر اليه بنفسه أيضا إذ لا يجعل كلّ من الأحكام حكم الواقعة في الواقع ولو سلم وجود المحذور فلا شكّ في عدم تحقّقه على مذاق المورد من عدّ اشتراط القول الموافق من العامّة في عدم اعتبار الحكم فافهم وكون الحكم في الواقعة الخاصّة واحدا لا يضرنا فيما نحن بصدده بل ينفعنا فان لازمه انّ كلّ ما سوى مذهب أهل الحقّ باطل هالك سواء وافق مذهبا من مذاهب العامّة أم لا فان قيل قد جعل في الأخبار العرض على اخبار العامّة من المرجّحات فإذا لم يوافق الخبر مذهب أحد من العامّة فكيف يعرف انّه هو التّقيّة ليجعل معارضه حقّا قلنا نجيب عن ذلك بمثل ما وجه به الأستاد المحقّق الأنصاري ره كلام صاحب الحدائق وقد مرّ بيانه مع انّا نقول يمكن تحصيل الظّنّ بكون الخبر غير التّقيّة باشتهاره بين الأصحاب الّا ان يقال انّه يكفى ح مجرّد الشهرة فلا حاجة إلى اعتبار التّقيّة وحاصل ما حقّقناه إلى هنا انّ ما ذهب اليه صاحب الحدائق ممّا يمكن اثباته وان توجّه الخدشة على بعض كلماته في هذا المقام واللّه العالم بحقايق المسائل والأحكام
86 عقد وحلّ
قد يعدّ من المناقضيّات ما جرت عليه سيرة العلماء من عدم تقديم الخبر المخالف للأصل على الموافق له والقول بالتّخيير بينهما أو الرّجوع إلى البراءة أو الاحتياط على اختلاف بين الاصوليّين والأخباريّين مع ذكرهم الخلاف في باب التّراجيح في تقديم المخالف للأصل ونسبتهم تقديمه على الموافق له إلى المشهور مع مخالفة هذا الخلاف لما نفى عنه الاختلاف من تقديم الخبر الخاطر على المبيح بل يعدّ منها أيضا اجتماع الخلاف والوفاق المذكورين مع ما هو المشهور بينهم من كون الأصل من المرجّحات بحيث صار ذلك من من المسلّمات بينهم على ما قد يدّعى ويمكن الجواب امّا عن الأوّل فبانّ الرّجوع إلى التّخيير أو الأصل انّما هو من جهة الأدلّة الخارجيّة لا من حيث النّظر إلى نفس الخبرين المتعارضين أو انّ النّزاع صغروي بمعنى انّه لا نزاع في الرّجوع إلى الأصل بعد التّعارض وعدم التّرجيح وانّما النّزاع في انّ كون أحدهما ناقلا أو مقرّرا هل يوجب التّرجيح وعدم التّساقط المستلزم للرّجوع إلى الأصل أو لا يوجب بل يتساقطان ويرجع إلى الأصل وامّا عن الثّانى فبانّ الخلاف في الأوّل بالنّظر إلى ما بعد ورود الشّرع وعدمه في الثّانى بالنّظر إلى ما قبله وعن الثّالث بمنع الشّهرة وممّا ذكرنا يظهر الجواب عمّا يقال انّه لا وجه لتعدّد عنوان المسألتين مع أن إحداهما مندرجة تحت الأخرى فانّ الجهة مختلفة كما عرفت وليكن هذا آخر ما نورده في هذه الرّسالة والحمد للّه أهل العظمة والكبرياء والصّلاة على نبيّه اشرف أهل الأرض والسّماء وآله الطّيّبين الطّاهرين الأصفياء وكتبها العبد محمّد اللّهمّ اغفر له ولوالديه بمحمد وآله وقد طبعت هذه الرّسالة في دار الطّباعة المخصوصة للأخ الأجلّ لاكرم الوفىّ الحاجّ ملّا عبّاسعلى التّبريزىّ في سنة 1291