وردّ من استدلّ بها لعدم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشّرع بانّ نفى فعليّة التّعذيب اعمّ من نفى الاستحقاق فانّ الأخبار بنفي التّعذيب ان دلّ على عدم التكليف شرعا فلا وجه للثّانى وان لم يدلّ فلا وجه للاوّل والجواب عنه من وجوه أحدها ما ذكره صاحب الفصول وهو انّ مراد القائل بذلك المقال في مقام الاستدلال نفى الوجوب والتحريم بالمعنى الّذى اثبته الخصم فانّه لا يلتزم بكونه ذنبا موعودا عليه بالعفو وعدم المؤاخذة ولو مع الإصرار بل يجعله كغيره من الذّنوب وتوضيحه انّ الوجوب والتّحريم اللّذين أثبتهما في مقام دفع الأشكال هما اللّذان يتعقّبهما العفو واللّذين نفاهما هما اللّذان لا يتعقّبهما في مقابلة الاخباريّين القائلين بالحرمة الغير المعفوّ عنها ولا يأبى عن اثبات الحرمة المعفوّ عنها كما هو مقتضى كلامه في دفع الأشكال ممّا اثبته في أحد المقامين غير ما ينفيه في المقام الآخر فاختلف متعلّق النّفى والأثبات ومعه يرتفع التّدافع وثانيهما ما ذكره شيخنا المحقّق الانصارىّ وهو انّ في مقام الاستدلال يكفى عدم الفعليّة لأنّ الخصم يدعى الفعليّة ويعترف بعدم المقتضى للاستحقاق على تقدير عدم الفعليّة فيكفي في عدم الاستحقاق نفى الفعليّة بخلاف مقام دفع الأشكال فانّ المقصود فيه اثبات الحكم الشّرعى في مورد حكم العقل وعدم ترتّب العقاب على مخالفته لا ينافي ثبوته كما في الظّهار نعم لو فرض هناك اجماع أيضا على انّه لو انتفت الفعليّة انتفى الاستحقاق لجاز التّمسّك بها هناك ولا يخفى الفرق بين هذا الوجه والوجه السّابق وانّه أحسن وأولى منه وثالثها ما خطر ببالي وهو انّ دفع الأشكال انّما يكون فيما يستقلّ به العقل إذ هو مورد دعوى الملازمة والاستدلال انّما يكون فيما لا يستقلّ به العقل إذ هو مورد البراءة والمراد من الآية نفى التّعذيب الفعلىّ قبل بعث الرّسول ولا تدلّ على أزيد منه لكن نفى التّعذيب الفعلىّ يستلزم نفى التّعذيب الاستحقاقى أيضا في المقام الثّانى إذ المفروض انتفاء حكم العقل كانتفاء حكم الرّسول بخلاف المقام الأوّل لوجود حكم العقل فيحتمل بقاء الاستحقاق وبعبارة أخرى نفى الاستحقاق في المقام الثّانى بنفي الفعليّة بخلاف المقام الأوّل وحينئذ يندفع التّدافع كما لا يخفى
70 عقد وحلّ
قد يتوهّم انّ كلمات القوم في مسئلة الخطر والإباحة مضطربة غاية الاضطراب حيث انّهم يذكرون في العنوان تارة الأشياء الغير الضّروريّة الّتى ينتفع منها ولا يدرك العقل قبحا ولا ضررا فيها وأخرى يذكرون الأشياء مط وثالثة يقيّدونها بالإطلاق ثمّ انّهم ينفون فيها القول بالحرمة الواقعيّة تارة ويثبتونه أخرى وينسبون إلى الشّيخ تارة القول بالحرمة وأخرى القول بالوقف وأنت إذا تأمّلت في كلماتهم عرفت انّ ذلك التّوهّم انّما نشاء من عدم الفرق بين النّزاعين الواقعين بينهم وهما النّزاع في الإباحة العقليّة والنّزاع في الإباحة الشّرعيّة فانّ العنوان الأوّل انّما هو للنّزاع الأوّل وملخّص النّزاع انّ الأشياء الغير الضّروريّة الّتى هي كذلك إذا لم يرد فيها حكم من الشّرع هل يدرك العقل اباحتها أم لا وغيره انّما هو للنّزاع الثّانى وحاصل هذا النّزاع انّ الأشياء مط سواء كانت ممّا ينتفع به كشمّ الورد واكل الفاكهة أم لا كالتّكفير في الصّلاة هل يكون الأصل فيها الإباحة الشّرعيّة أم لا والمراد من الإباحة هنا في الحقيقة عدم الحرمة إذ المراد في هذا النّزاع مجرّد نفيها لا اثبات الإباحة وانّما يعبّر باصالة الإباحة في كلمات بعضهم امّا لأجل الاتّفاق على نفى الأحكام الثّلاثة الأخر أو لما يثبت من اصالة نفيها أيضا كذا قيل وكيف كان فطرف النّزاع الأوّل الأشاعرة بعد تنزّلهم عن أصلهم الفاسد وجماعة من غيرهم وطرف النّزاع الثّانى الأخباريّون ومحلّ اثبات القول بالحرمة هو النّزاع الأوّل ومحلّ نفيه هو الثّانى حتّى انّه صرّح بعضهم بعدم الظّفر على مصرّح بالتحريم فيه نعم نسبه الشّيخ الحرّ ره في الفصول المهمّة إلى أكثر المتقدّمين من الإماميّة ونسبه بعض الأفاضل إلى الخلط بين النّزاعين وممّا يرشد اليه نسبة التّوقّف إلى الشّيخ في العدّة مع انّه صرّح باختصاص الوقف بالنّزاع الأوّل وبالإباحة في الثّانى حيث قال في مقام النّزاع الثّانى ونحن لا نمنع ان يدلّ دليل السّمع على انّ الأشياء على الإباحة بعد ان كانت على الوقف بل عندنا الأمر كذلك واليه نذهب انتهى وقوله بعد ان كانت على الوقف إشارة إلى حكم العقل نعم لا ننكر خلطهم بين النّزاعين وانّ الأليق ان يميّزوا كلّا منهما عن الآخر خصوصا بالنّسبة إلى القائل بعدم الملازمة بين حكمي العقل والشّرع وهو غير الاضطراب من الجهة المذكورة
71 عقد وحلّ
ربّما يعدّ من المناقضات ما صدر عن الفاضل الجواد ره ومن حذا حذوه كالفاضل الصّالح وغيره حيث قسّموا الفعل إلى قسمين ما يستقل به العقل وما لا يستقلّ به العقل وقسّموا الأوّل إلى الأحكام الخمسة وجروا النّزاع المعروف في الحظر والإباحة العقليّين في الثّانى واختلفوا فيه بالحكم بالإباحة العقليّة والحظر العقلي والتّوقّف فان فرض محلّ النّزاع اوّلا فيما لا يستقلّ به العقل مع الاختلاف فيه بالإباحة والخطر العقليين وصل ممّا فيه تناقض ظاهر وتدافع واضح والمحقّق القمّى ره لم يجعل له مدفعا بل حكم بوروده حيث حصل للفاضل المذكور الغفلة في مقام التّقسيم وتحرير محلّ النّزاع فلو حرر النّزاع في الأشياء الغير الضّروريّة في التّعيش المشتملة على امارة المصلحة كشمّ الورد واكل الفاكهة من غير اعتبار لكونها ممّا لا يستقل العقل بادراكه لم يقع في هذا الأشكال والتّناقض في المقال فانّ من يحكم بالإباحة أو الخطر يجعلها من القسم الأوّل ومن يقول بانّه لا حكم فيها يجعلها من القسم الثّانى وامّا غير ذلك المحقّق العلّام من العلماء الأعلام فقد تصدّوا للدّفع والوجوه الّتى يمكن بها الدّفع عدّة وجوه الأوّل ما ذكره الفاضل الجواد بعد التّفطّن من ورود الايراد عليه وهو انّ العقل لا يدرك الحسن والقبح بالنّظر إلى خصوصيّات الأشياء كشمّ الورد بخصوصه ويحكم حكما عامّا بالحسن بالنّسبة إلى الجميع الثّانى ما ذكره أيضا وهو انّ المراد انّ العقل لا يدرك حسنها ولا قبحها ابتداء ومجرّدة عن ملاحظة شيء آخر ولا ينافي ذلك حكمه بالحسن عامّا بالنّظر إلى الدّليل فالمراد انّه لا يكون ضروريّا بل نظريّا الثّالث انّه لا منافاة بين عدم حكم العقل على شيء مع قطع النّظر عن كونه مجهولا وحكمه عليه مع ملاحظة وصف الجهالة يعنى انّ حكم العقل بحسن شمّ الورد واكل الفاكهة انّما هو مع ملاحظة انّهما مجهولا الحكم وامّا مع قطع النّظر عن كونهما مجهولي الحكم فلا حكم للعقل فيهما الرّابع ما يقرب منه وهو انّ المراد انّ الفعل الّذى لا يدرك العقل فيه بخصوصه جهة محسنة أو مقبحة كأكل الفواكه مثلا ولا يحكم فيه بحكم خاصّ تفصيلي هل يحكم فيه على الأحمال انّه محرّم أو مباح الخامس ما ذكره بعض أفاضل أهل العصر وهو انّ محلّ نزاعهم هو الحكم الظّاهرى لظهور عدم معقوليّة النّزاع في الحكم الواقعي واستلزامه المفسدة من اجتماع حكمين واقعيّين متناقضين في شيء واحد الّا على بعض المذاهب من عدم لزوم التّطابق بين ما حكم به الشّرع وبالعكس ويشهد بذلك تقسيمهم الفعل إلى ما يستقل به العقل وغيره واختلافهم في القسم الأوّل بين مثبت للحكم وناف له ومراد المثبت هو الحكم الواقعي فلا بدّ ان يكون مراد النّافى ذلك بقرينة المقابلة فمرادهم في القسم الثّانى لا بدّ ان يكون الإباحة والخطر الظّاهريّين ومعه فلا تناقض أصلا السّادس ما ذكره بعض السّادة الأجلّة من علمائنا المعاصرين وملخّصه انّ مرادهم من عدم ادراك العقل عدم ادراكه شيئا من الأحكام الواقعيّة الأوّليّة على سبيل التّنجيز حتّى الإباحة والخطر ومرادهم من ادراكه أحد الحكمين الإباحة والخطر ادراكه الإباحة أو الخطر الواقعيّين الثّانويّين على سبيل التّعليق والمراد من الحكم الواقعىّ الأوّلىّ انّ المجتهد إذا رأى الحكم اوّلا وبالذّات واعتقد انّه هو الّذى كان ثابتا اوّلا في اللّوح المحفوظ ونزل به الرّوح الأمين على قلب سيّد المرسلين ص