علما أو ظنّا فهذا حكم واقعىّ اوّلىّ وإذا تفحّص عن ذلك ولم يجد بابه على نفسه مفتوحا بل وجدها عاجزة عن ادراكه واستفادته ثمّ التجاء بعد ذلك إلى دستور أسنّه الشّارع بشيء من الطّرق الأربعة من العقل وغيره عند اضطرار المجتهد وكانّه قال إذا لم تقدر على الواقع فهذه وظيفتك فهو حكم واقعىّ ثانوىّ وان شئت سمّيت الأوّل حكما اجتهاديّا والثّانى عمليّا فقاهتيّا والمراد بالحكم التّنجيزى في الأوّل انه يحيل المجتهد صدور خلافه من الشّارع ان علما فعلما وان ظنّا فظنّا فإذا اعتقد المجتهد قبح الظّلم مثلا فيعتقد انّه يستحيل صدور خلافه من الشّارع لكون المفروض انكشاف ما هو الواقع له بخلاف الحكم التّعليقى فانّه لا يحيل صدور خلافه عنه ثمّ أورد على نفسه بعد كلمات له بانّ قضيّة ما ذكرتم كون هذا الحكم من الأحكام التّعليقيّة فينبغي ذكره في عداد التّعليقيات كالبراءة ونحوها فلم يذكر في تتمّات عنوان ما يستقل به العقل الّذى هو من التّنجيزيّات فأجاب بتسليم ورود الإيراد وانّ هذا انّما هو لمجرّد موافقة القوم وهذا الوجه وان كان مخالفا للأجوبة السّابقة في الأسلوب الّا انّه يمكن ارجاعه إلى بعضها كما هو ظاهر والّذى يخالجني هو انّ العقل لا حكم له في شيء الّا بعد اطّلاعه على الجهة المحسنة أو المقبحة المقتضية للحكم فالمراد من جعل محلّ النّزاع هو ما لا ادراك للعقل فيه كونه ممّا لا يدرك العقل فيه جهة محسّنة أو مقبحة ليدرك فيه حكما منبعثا عنها والمراد من الاختلاف في الحكم بالخطر أو الإباحة انّ العقل بعد عدم ادراكه الحسن أو القبح فيه وفرضه ممّا لا مصلحة فيه ولا مفسدة هل له حكم في الخالي عنهما أم لا وعلى هذا فلا تدافع في البين والفرق بينه وبين الأجوبة السّابقة في غاية الظّهور عند من له أدنى شعور
72 عقد وحلّ
لا ينبغي ان تتوهّم كما توهّم بعض الاخباريّة انّ حكم المجتهدين بحجّية اصالة البراءة ينافي حكمهم بعدم معذوريّة الجاهل في غير المواضع المستثناة وذلك لاختلاف موردى الحكمين فانّ مورد الاوّل بعد الفحص عن الأدلّة ومورد الثّانى قبله وتوضيحه على ما ذكره الوحيد قدّس سرّه السّعيد في فوائده العتيقة انّ الأحكام الشّرعيّة ثبوتها في الدّين على كثرتها من الضّروريات وكان العادة المستمرّة في الأنبياء والمرسلين ع من لدن آدم ع إلى الخاتم ص انّهم أولو شرايع واحكام فكلّ من دخل في دين نبي يعلم انّ فيه احكاما كثيرة يجب معرفتها والعمل بها بل هذا هو الفائدة في بعث الرّسل فنحن نعلم بتلك الأحكام علما اجماليّا وان لم نعلم تفاصيلها ومثلنا مثل عبد أعطاه سيّده طومارا وقال له أمرتك باحكام كثيرة في هذا الطّومار وعليك بمطالعته والعمل بجميع ما فيه وح فلا يمكننا التّمسّك باصالة البراءة الّا بعد استفراغ الوسع وبذل الجهد في طلب الدّليل واليأس منه فيجوز التّمسّك بها حينئذ لما ثبت عند العدليّة من انّ المؤاخذة على من لم يقصر في الطّلب قبيحة عقلا بل الأشاعرة أيضا يقولون بذلك من جهة السّمع فلا بدّ اوّلا من استفراغ الوسع ثمّ اجراء الأصل في نفى الحكم
73 عقد وحلّ
ربّما يتوهّم انّ قول المشهور في مسئلة دوران الامر بين الوجوب والحرمة بالتّخيير ممّا لا معنى له لأنّ التّخيير إباحة في المعنى لعدم تعلّق رجحان ومطلوبيّة من الشّارع بأحد الطّرفين كما هو المفروض فكيف يتحقّق في العبادات مع اشتراط الرّجحان فيها وابعد منه تحقّقه في المعاملات مع عدم كون أحد الطّرفين فيها موافقا للأصل فانّ أحد الطّرفين مثلا لو دلّ على حليّة امرأة لرجل والآخر على حرمتها عليه فلو تزوّجها بناء على المحلّل كيف يتحقّق التّوسعة والتّخيير وقد يدفع بانّه لو ارتكب الفعل بناء على امر الشّارع يكون مستحقّا للثّواب فيكون عبادة وامّا المعاملة فيمكن ان يقال انّه إذا تزوّجها بناء على المحلّل مثلا يكون تزويجها صحيحا مطابقا للشّرع فيترتّب عليه الآثار الشّرعيّة وتتبعه الثّمرات اللّازمة اللّاحقة ومنها مثلا عدم جواز الافتراق والتّفريق بغير الوجه المقرّر فان قيل إذا كان أحد الطّرفين يدلّ على الوجوب والآخر على الحرمة فكيف الوجوب والحرمة مع التّخيير والتوسعة قيل لم يظهر من الأدلّة غير التّسهيل والتّوسعة وعدم المؤاخذة مع الفعل والتّرك ولا تدلّ على عدم الحكم له في الظّاهر فانّه إذا اختار الوجوب يصير واجبا وإذا اختار الحرمة يصير حراما نعم يشكل الأمر بالنّسبة إلى المنازعة في دين أو ميراث ونظائرهما ولم يكن أحد الطّرفين موافقا للأصل وأورد عليه بعض الأفاضل بعد تسليم التّوجيه بانّ ما ذكره أخيرا ممّا يشعر بميله إلى التّخيير البدوي وهو محلّ تامّل فانّ التّخيير الاستمراري ثابت باطلاق اخبار التّخيير أقول الأنصاف انّ التّوجيه غير وجيه ان أريد به ما يعطيه ظاهر الكلام والأولى ان يقال انّ الأشكال انّما يتوجّه إذا أريد التّخيير الواقعي وامّا إذا أريد التّخيير الظّاهرى العقلي الّذى يحكم به العقل من جهة التّحيّر واللّابديّة فلا إذ لا ينافي كونه إباحة في المعنى تعيّن أحدهما بعد اختياره إذ لا شبهة في مطابقة أحدهما للواقع فإذا اختار أحدهما كان حكما في حقّه كالأخذ بمقتضى الاستصحاب فيما قام عليه فإذا اخذ طرف الوجوب فمعنى اخذه انّ حكم الشّارع في المقام هو الوجوب فيكون عبادة في حقّه إذا عمل به وإذا اخذ طرف الحرمة فمعناه عدم كونه عبادة في حقّه وهذا يكفى في اثبات الرّجحان المطلوب في العادة فلا منافاة بين الإباحة بالمعنى المذكور والرّجحان اللّازم في العبادة كما لا يخفى وأنت إذا تأمّلت فيما ذكرناه تعلم انّ ما حقّقناه لا يناط بالتّخيير البدوىّ بل يجرى في التّخيير الاستمراري أيضا وامّا تحقيق الحقّ في ذلك المطلب فيطلب من كتابنا وسيلة الوسائل
74 عقد وحلّ
قد يتوهّم انّ اطلاقهم لفظ الاشتغال في مقابلة اصالة البراءة حتّى انّ بعض العنوانات في كتب القوم وقع عقده على ذلك ممّا لا معنى له لأنّ مورد اصالة البراءة ومجراها ما يشكّ في ثبوت الحكم فيه ومورد أصل الاشتغال حسبما يدلّ عليه لفظة ما يثبت فيه شغل الذّمّة فكيف يذكر أحدهما في مقابلة الآخر أقول للاشتغال في كلامهم اطلاقين أحدهما اطلاقه على ما يرادف الاحتياط وهو الّذى يذكر في مقابلة البراءة كما يذكر الاحتياط أيضا وثانيهما اطلاقه على ما يقابل الاحتياط ويكون قسيما له أيضا ولا معنى لاطلاقه في مقابلة البراءة ولذا عنون بعض المحقّقين كلّا من الأصول الثّلاثة بعنوان مستقلّ وتكلّم في كلّ منها على حدة وتحقيق الفرق بينه بالمعنى الأخير وبين الاحتياط انّ معنى أصل الاشتغال انّه إذا علم شغل الذّمّة بشيء يحكم ببقائه حتّى يعلم الفراغ وهذا معنى قولهم شغل الذّمّة اليقيني يحتاج إلى البراءة اليقينيّة فلا بدّ في اجرائه من امرين أحدهما العلم باشتغال الذّمّة بالشّيء أولا إذ بدونه يجرى البراءة الاصليّة فانّ الخروج عنها يستدعى اليقين بالشّغل وثانيهما الشّكّ في البراءة إذ بدونه لا معنى لجريانه أصلا إذ مع العلم بالبراءة لا اشتغال ومع العلم بعدمها لا حاجة إلى الأصل ثمّ انّ هذا الأصل يجرى في كلّ من الأحكام الخمسة التّكليفيّة عدا الإباحة امّا في الوجوب والحرمة فظاهر وامّا في النّدب والكراهة فلأنّه مع العلم باستحباب فعل أو ترك يحكم ببقائه حتّى يعلم ارتفاعه ومعنى أصل الاحتياط هو الإتيان بما يخرج المكلّف عن العهدة على جميع الاحتمالات ولا بدّ في اجرائه أيضا من امرين أحدهما كون المورد معروض احتمال اشتغال الذّمّة فلا يجرى عند القطع بالشّغل أو القطع بعدمه فان قلت ينتقض ما ذكرت من اعتبار عدم القطع في متعلّقه بمثل صلاة الاحتياط وكلّ ما امر الشّارع بفعله احتياطا بل بجميع موارده للقطع باستحباب الاحتياط أو وجوبه قلنا المراد بعدم جريانه عند القطع انّه لا يجرى لو كان متعلّقه مقطوعا به مع قطع النّظر عن الاحتياط وحكمه فلا ينافي جريانه مع القطع بحكم الاحتياط كما في موارد النّقض وثانيهما ان يمكن الإتيان بما يخرج به المكلّف عن العهدة قطعا