تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 468

مساهمون:

ص٤٦٨
إليها الّا مع التّنازع والتّخاصم فالأخبار عن وجود الخليفة اخبار عن وجود الشّرّ والفساد بطريق الالتزام الثّامن انّهم استفادوا ذلك من اطّلاعهم على كيفيّة ظنيّة الخليفة وكونه مخلوقا من الطّبائع الأربعة المستلزمة للتّنازع والتّغالب المستلزم للفساد التّاسع انّ مرادهم استفسار انّ الخليفة هل هو من الجنّ الّذين ظهر منهم الفساد أو من غيرهم فليس مقصودهم قياس حال غيرهم على حالهم إلى غير ذلك من الوجوه الّتى يمكن النّظر في بعضها وان كانت كافية بملاحظة تمامها في دفع الأشكال

81 عقد وحلّ

ممّا كثر فيه الكلام الفرق بين مفهوم الموافقة وقياس الاولويّة والقياس الجلى وتحقيق الفرق بين الأوّل والأخيرين انّ الأوّل من المداليل اللّفظيّة والأخيران راجعان إلى الدّلالات العقليّة فلا ارتباط بينها فلا يكون حجّية الأوّل من جهة الأخيرين بل يكون حجّة ولو قلنا بعدم حجّيتهما وربّما قيل إن الأوّل راجع إلى الثّانى ويكون حجّيته من جهة حجّيّته وفساده ظاهر فانّه يؤذن بمنع القائل انفهامه من اللّفظ واندراجه في مداليل الألفاظ إذ لو قال بدلالة اللّفظ لما ادرجه في الثّانى الّا ان ينزل كلامه على تسليمه دلالة اللّفظ عليه بحسب الفهم العرفي لكنّه يجعل الوجه في انفهامه منه عرفا ملاحظة قياس الأولويّة فيكون تلك الملاحظة باعثة عنده على الفهم المذكور وهو ان كان غير بعيد في نفسه لكنّه يرتفع به الثّمرة عن بحث معروف بينهم كما لا يخفى توضيح ذلك انّهم اختلفوا في انّ تأدية حكم الحرمة من التّافيف إلى الضّرب ونحوه في قوله تعالى
فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ
مثلا هل هي من باب القياس أو المفهوم الموافق أو المنطوق وقد طال التّشاجر بينهم في ذلك والثّمرة ظاهرة فانّ قوّة المدلول اللّفظى بالنّسبة إلى غيره وقوّة المنطوق بالنّسبة إلى المفهوم ممّا لا يشكّ فيه أحد فمن جعلها جهة من القياس نظرا إلى استناد الحكم إلى الجامع وانّه لو قطع النّظر عنه لما حكم بالحكم في الفرع ومن جعلها من جهة المفهوم نظرا إلى انّ فهم المعنى لا يتوقّف على انتقال وتحرّك ذهنىّ سريع من الأصل إلى الفرع وملاحظة معنى مناسب للحكم بل الفهم انّما هو من جهة انّ المتبادر من اللّفظ معنى يلزمه ذلك ومن جعلها من جهة المنطوق نظرا إلى تبادرها بنفسها من اللّفظ فلو بنى على انّ انفهام ذلك المعنى من اللّفظ انّما هو من جهة ملاحظة قياس الأولويّة لم يبق ثمرة للنّزاع وامّا الفرق بين الأخيرين فذكر جماعة من المحقّقين في بيانه انّ النّسبة بينهما عموم من وجه إذ المعتبر في الأوّل أن تكون علّة الحكم في الفرع اكد منها في الأصل سواء كان انتفاء الفارق بينهما معلوما أم لا وفي الثّانى القطع بانتفاء الفارق سواء كانت العلّة في الفرع اكد أم لا فمادّة اجتماعهما هي الحاق تحريم مطلق الإيذاء بتحريم التّافيف في الآية ومادّة افتراق الأوّل قياس القتل بالمثقل على القتل بالمحدد والثّانى الحاق الأمة بالعبد في تقويم النّصيب عند عتق أحد الشّريكين شقصه ويظهر من النّهاية والمعالم وغاية المامول انّه لا فرق بينهما وانّهما متّحدان والظّاهر هو الأوّل وتفصيل الكلام لا يناسب المقام

82 عقد وحلّ

من الشّبهات الّتى أوردها المانعون عن وجوب الاجتهاد الّذى قال به المجتهدون انّ مرادهم من استفراغ الوسع المأخوذ في تعريفه ان كان استفراغ الوسع في تمام أوقات العمر فلا يتحقّق رتبة الاجتهاد الّا عند الوفاة وان كان استفراغه في وقت التّكليف والحاجة إلى المسألة فربّما كان في ذلك الوقت لم يحصل شرائط الاجتهاد كلّا أو بعضا أو حصل على سبيل التّقليد وهم لا يرضون به لأنّه تركيب من الاجتهاد والتّقليد الّذى يتحاشون عنه وان حصل على سبيل الاجتهاد فالاجتهاد متفاوت فيحتمل عند المحصّل انّه لو استفرغ وسعه أزيد ممّا فعله فربّما ظهر له خلاف ما ظهر اوّلا وهم أوجبوا شرائط الاجتهاد فرارا من ذلك وان لم يكتفوا الّا بالاستفراغ ثانيا وثالثا فننقل الكلام اليه وهكذا لعدم الانتهاء إلى العلم وان بنوا في الاكتفاء بالاعتماد على تصديق مجتهد وتجويزه فيلزم التّركيب من الاجتهاد والتّقليد أيضا مع انّه يمكن نقل الكلام إلى المجتهد المجوّز وأجاب عنها الوحيد قدّس سرّه السّعيد في فوائده الجديدة اوّلا بالنّقض بما اختاروه من الطّريقة فانّ كلّ انسان عالما كان أو جاهلا ان كان كلّ ما يفهمه من الأحاديث من غير جهة قاعدة وضابطة حجّة عليه يجب عليه العمل به ولا يجب عليه تقليد غيره ولو في حكمه بانّ فهمه صحيح أو غلط فوا فضيحتاه وان فرض وسلّم انّه لا بدّ للفهم من اطّلاع على امر وتتبّع فننقل الكلام اليه ونرد به عليهم حرفا بحرف الّا ان يجوّزوا التّركيب وهو في الحقيقة تقليد لا اجتهاد مع انّ الّذى أورد الشّبهة يعتبر في الفقاهة وفهم الحديث معرفة العلوم العربيّة واللّغوية والتّتبع التّامّ في الأحاديث فالنّقض في غاية الوضوح مع انّ هذه الشّبهة لو تمّت وردت على جميع أرباب الحرف والصّنائع والعلوم الّتى هي واجبة عينا أو كفاية لنظم امر المعاد والمعاش فانّ القول بانّها لا تتوقّف على مهارة وخبرة واطّلاع على ما تبتنى عليه باطل بالبديهة فلا بدّ فيها من المهارة والاطّلاع ومراعاة الأساتيذ ومتابعة أقوالهم وان كان الظّاهر في نظر التلميذ خلافه وان كانوا كفّارا أو فسّاقا وثانيا بالحلّ وملخّص ما ذكره بطوله انّ من سمع مقالة ائمّة هذا الفنّ وهي انّه لا يتأتى الاجتهاد الّا بعد استجماع شرائطه ولا يجوز العمل بالظّنّ وجعله حكم اللّه تعالى الّا ان يعلم انّ اللّه يرضى به علما يقينيّا لا ظنيّا والّا لزم الدّور أو التّسلسل ولا يتحقّق ذلك الّا لمن استجمع الشّرائط فلا شكّ انّه يتبادر إلى قبولها إذا كان قلبه خاليا عن الشّوائب ولا يجعلهم أسوأ حالا من أرباب العلوم والصّنائع الّذين يعلم في الغالب فسقهم وعدم عدالتهم وحينئذ فليأخذ المجتهد في تحصيل الشّرائط من العلوم والقوّة القدسيّة امّا القوّة القدسيّة فبمجاهدة النّفس والسّؤال من اللّه والتّضرّع اليه فانّها من فضل اللّه يؤتيه من يشاء وامّا تحصيل العلوم فبالمطالعة والمذاكرة مع الاستمداد من اللّه تعالى والتّضرّع اليه والتّوسّل بالنّفوس القدسيّة فما وجدها من المسائل الغير المشكلة اخذها وما وجدها من المسائل المشكلة والخلافيّة اجتهد فيها على قدر وسعه فبعد تحصيل الكلّ يأخذ في التّفقه ويجعل حجّية كلّ ما فهمه من المسائل مستندة إلى المقدّمتين المشهورتين وهما قوله هذا ما ادّى اليه اجتهادي وكلّ ما ادّى اليه اجتهادي فهو حكم اللّه في حقّى والأحوط مع ذلك ان يعرض اجتهاده على اجتهاد المجتهدين فان وافقهم فليحمد اللّه على نيل هذه الرّتبة الجليلة وان خالفهم فيتّهم نفسه غاية التّهمة ويجهد في اصلاحها بالمجاهدات حتّى يهب اللّه له هذه الرّتبة ويكفى في الاجتهاد استفراغ الوسع حين الحاجة فكلّ ما ادّاه الاجتهاد حينئذ كفاه وان احتمل انّه ربّما يتغيّر ظنّه بعد زيادة المهارة والممارسة لانّ اللّه تعالى
لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها
ولأنّه لو لم يكفه اجتهاده ما دام حيّا فلا بدّ له من التّقليد وربّما لم يوجد له فتوى فقيه حتّى يقلّده والتزام الاحتياط بالنّسبة إلى جميع المسائل حرج عظيم بل تكليف بما لا يطاق وترجيح البعض من غير مرجّح فاسد مع انّ الفقهاء متّفقون على انّ المجتهد لا يجوز له تقليد غيره ويريدون من المجتهد هذا الّذى ذكرنا من المستجمع للشّرائط ولأنّه بعد اطّلاعه على جميع ما له دخل في الفهم وبذل جهده فيه يظهر عنده انّ حكم اللّه كما فهمه وغيره ليس حكم اللّه فإن كان فتواه موافقا لفتوى الكلّ أو المشهور فنعم الوفاق فيتعيّن عليه العمل بل وكذا ان وافق البعض إلى آخر ما افاده ره أقول ملخّص ما ينبغي ان يقال في دفع هذه الشّبهة الواهية انّ المدار على استفراغ الوسع حين الحاجة لمن وصل درجة الاجتهاد واستجمع الشّرائط وان وجد في الاجتهاد مرتبة فوق مرتبته فانّ جواز الاجتهاد انّما هو من باب التّسهيل والتّرخيص وانحصار المندوحة في زمان الحيرة واختفاء نور الهدى فيه وهو كما يصحّح الأصل يثبت كفاية الميسور عن المعسور واللّه العالم بحقايق الأمور

83 عقد وحلّ

ربّما يطعن على المجتهدين في قولهم أحيانا انّ هذا النّصّ مخالف للقاعدة فلا يكون حجّة بانّ النّصّ إذا كان كلام الشّارع كان حجّة فلا وجه