والتّعمّق توهّم انّ العدليّة ينكرون كون الشّارع حاكما ويجعلون أوامر الشّرع ونواهيه كاشفة عن الأحكام العقليّة نظرا إلى ما ذكروه في مسئلة الملازمة والمطابقة بين حكمي الشّرع والعقل من انّ أوامر الشّرع ونواهيه كاشفة عن جهات محسّنة ومقبّحة عقلا وهو غفلة واضحة وكيف ينسب إليهم ذلك مع انّ جعل الشّارع للأحكام وايجابه لبعض الأفعال وتحريمه لبعضها وكذلك تشريعه لباقي الأحكام من ضروريّات الشّريعة المصرّح بها في الكتاب والسّنة الّتى يكون انكارها من المكابرات السّفسطيّة مع انّه يلزم على ذلك ان يكون أوامره تعالى ونواهيه ارشاديّة محضة خالية عن معنى الطّلب وهو خلاف ما اجمعوا عليه من استعمال الأوامر في الكتاب والسّنّة في الوجوب تارة وفي النّدب أخرى واستعمال النّهى في التّحريم والكراهة كذلك وما ذكروه في مسئلة الملازمة لا يقتضى ذلك لأنّ مرادهم الكشف بطريق الالتزام للحكم الشّرعى كما يظهر من كلماتهم ثمّة لا مجرّد الكشف من تلك الجهات كأوامر الطّبيب ونواهيه وهو ظاهر وممّا قرّرناه يندفع توهّم آخر كالاوّل في الفساد بل هو راجع اليه وهو توهّم انّ حكم الشّرع تابع لحكم العقل ضرورة انّ أهل الأديان والمذاهب متّفقون على علمه تعالى بجميع الأشياء أزلا وابدا على الوجه الأتمّ الأكمل والنّحو الأصلح وحكمته الموجبين لغنائه عن مراعاة الجهات الدّاعية إلى تشريع الأحكام المدركة للعقل وهل يرضى أحد بان يحوجه تعالى إلى مراعاة تلك الجهات العقليّة والعقل مخلوق من مخلوقاته المفتقرة اليه في الإفاضة والاستفاضة لا يرتسم الصّور فيه الّا بنور اشراقه تعالى بعد خلقه ايّاه حكيما مراعيا للجهات فكيف يعقل ان يكون تابعا له مقتبسا منه مع انّ العقل لا يمكن له الإحاطة بجميع الجهات وهو تعالى محيط بحقايقها لا يغرب عنه شيء منها فلئن قيل إذا لم نجز متابعته تعالى لحكم العقل لم نجز متابعته لحكم نبيّه صلّى اللّه عليه وآله مع انّه قد ورد في جملة من الاخبار انّ اللّه تعالى ادّبه ص وفوّض اليه الأحكام بحيث له ان يجعل الحكم ويمضيه الباري تعالى فيكون حكمه عزّ وجلّ تابعا لحكمه صلّى اللّه عليه وآله فما وجه الفرق بينهما أجيب بانّ تقريره تعالى لحكم النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله بعد تسليم ظواهر تلك الأخبار ليس متابعة له في التّشريع بل يكون ذلك بيانا لاصابته فيه نظير امضاء الإمام عليه السّلم وتقريره للمجتهد وهذا ممّا لا يخفى حتّى يحتاج إلى زيادة بيان
67 عقد وحلّ
قد يتوهّم التّنافى بين قول العدليّة بالتّحسين والتّقبيح العقليّين وقولهم في بعض المواضع انّ هذا واجب تعبّدى أو حرام تعبّدى حيث انّه يكشف عن اعترافهم بجواز الأمر بما لا يشتمل على جهة محسّنة واقعيّة وجواز النّهى عمّا لا يشتمل على جهة مقبحة واقعيّة وهو لا يجامع القول بانبعاث الأحكام عن المصالح والمفاسد الواقعيّة المدركة للعقل وهو توهّم ضعيف لظهور انّ مرادهم بيان عدم انكشاف وجه الحكم عند العقل أصلا حيث انّه من خفيّات الأمور المستورة عن العقول لا عدم اشتماله على الوجه أصلا ألا ترى انّ الأئمّة ع إذا سئلوا عن مصالح الأحكام ومفاسدها كانوا يتصدّون لبيانها لرفع استيحاش السّائلين واستبعادهم على حسب استعداداتهم ومقام ادراكاتهم ولم يكونوا ينفونهما بان يقولوا انّ اللّه قد يأمر بما لا حسن فيه وينهى عما لا قبح فيه غاية الأمر انّ العلل الّتى كانوا يذكرونها لم يكن كلّها عللا واقعيّة نفس امريّة تترتّب عليها التّكليف ولذا كان يقع منهم عليهم السّلم التّعليل بعلل مختلفة بالنّسبة إلى شيء واحد بالنّسبة إلى موارد السّؤال واختلاف السّائلين كما يرشد اليه النّظر في اخبار التّعليل لغسل الجنابة وكان المتوهّم توهّم انّ مرادهم انّ أمثال ذلك من الامتحانيّات الصّرفة غير النّاشية عن المصالح والمفاسد النّفس الأمريّة فهم وان لم ينكروا وقوع التّكاليف الابتلائيّة لكن المراد في المقام غيرها مع انّ التكاليف الابتلائية أيضا مشتملة على المصالح والمفاسد غاية الأمر انّهما في نفس التّكليف لا المكلّف به بل ذهب بعض الأفاضل ممّن قارب عصرنا إلى نفى الملازمة بين حكمي العقل والشّرع نظرا إلى انّ الحسن والقبح ربّما يكونان عند الشّارع في نفس التّكليف بخلاف العقل وممّا تمسّك به في اثبات ذلك التّكاليف الابتلائيّة وان كان ما اختاره محلّ الكلام عند الأعلام
68 عقد وحلّ
ممّا اتّفقت عليه الادلّة الأربعة عدم وقوع التّكليف بالمحال بل عدم جوازه بالنّسبة إلى هذه الأمّة وسائر الأمم وامّا التّكليف بما فيه عسر وحرج فمنفىّ في شريعتنا بالأدلة الثّلاثة الكتاب والسّنّة والإجماع وح يرد الاشكال بوقوع التّكليف فيها بكثير من الاعمال الشّاقّة كالجهاد الّذى هو من أشقّ الأعمال الموجب كوب الأهوال وتلف النّفوس والأموال ومجاهدة النّفس في دفع الشّبه والوساوس وتميز الحقّ من الباطل المورث بهجوم جنود الجهل والمردة من الشّياطين الّتى هي أشق من الجهاد البدني وتمكين النّفس من القصاص والحدّ الّذى هو من أعظم الأمور إلى غير ذلك ممّا لا يخفى وقوع التّكليف به في الشّريعة السّمحة السّهلة وأجاب عنه المحقّقون من الأصحاب بانّ المناط والمدار في العسر والحرج هو ملاحظة حال أغلب النّاس فلا عبرة بالنّادر نفيا واثباتا والأمثلة المذكورة ممّا يكون حرجا بالنّسبة إلى غير الغالب امّا الجهاد فلأنّ الاقتحام في نار الحرب ممّا يستسهله أكثر النّاس امّا حماية وعصبيّة وامّا طلبا للغنيمة وامّا رضا بالمدح وامّا رجاء للمنزلة العظمى والموهبة الكبرى بل ربّما يشتعل نار الحرب بين طائفتين في طول مدّة وشدّة محنة سيّما طوائف الأعراب المحترقين بنار العصبيّة والمستغرقين في بحار الحميّة كما يشهد به قضيّة الطّائفتين المتخاصمين في النّجف الأشرف قبل هذه الأيّام بثلاثين سنة تقريبا والطّائفتين المتخاصمتين الآن في قريب منه في طرفي الشّط فانّ أجسادهم وأبدانهم على التّراب تمور مورا ورؤوسهم على الرّماح تسير سيرا ولا يبالون بالقتل والنّهب ولا يعرفون الهرب والرّهب فلا ريب في وجود الدّواعى المختلفة والأغراض المتكثّرة في نفوس بنى النّوع الإنساني سيّما في جهاد الكفّار بالنّسبة إلى نفوس المؤمنين من طلب الفوز والفيض ورجاء عظيم الأجر وجزيل الثّواب ويشهد بذلك ملاحظة أحوال شهداء الطّفّ أرواحنا لهم الفداء وأنفسنا لهم الوقاء وشدّة شوقهم وكثرة ميلهم إلى الجهاد في مقابلة امامهم صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم فان قيل بعد ملاحظة المثوبات والدّرجات يستسهل جميع المشاق فأين العسر والحرج فلطاقتهم فليبذل الباذلون ولنفوسهم فليهب الواهبون وبأبدانهم فليجهد الجاهدون فاىّ شيء ينفيه قاعدة نفى الحرج الثّابتة بالأدلّة الثلاثة قيل لا يمكن تكليفهم بكلّ المشاقّ مع انّ الغرض من خلق هذه النّشأة التّوطن في عدّة ايّام وهو ممّا يحوج إلى السّعى في تحصيل أسباب المعاش مع انّ النّفوس ضعيفة والاعتقادات واهية والقلوب غير ضيافة لا يمكن تكليف الكلّ بالكلّ بل لا بدّ من اشتمال الأعمال الشّاقّة المكلّف بها على المصالح الظّاهريّة العاجلة ليرغبوا في طلب المثوبات الاجلّة وامّا مجاهدة النّفس فهي أيضا لا يصعب على أغلب النّاس بعد اقتحامهم فيها وظهور الآثار منها لكلّ من أهل الخير والشّرّ بمقتضى كيفيّة رياضتهم سيّما إذا لوحظ مثل قوله تعالى
وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا
الموافق الحكم العقل سيّما إذا اشتدّ الشّوق وانس الذّوق وربّما يعرض الناس أنفسهم فيما هو أصعب منها باغراضهم الباطلة لطلب الغايات العاطلة الفانية من مصادمة القوّة الإدراكيّة بالمحاسبات والمخاطرات بحيث تسهر العيون وتضحك الجفون وما ذلك بعزيز مضافا إلى ما قيل من انّ المشقّة الناشية من جهة خبث الأخلاق ورذالتها غير معتبرة في المقام وانّما العبرة بالمشقّة النّاشية من جهة ضعف البدن أو صعوبة العمل في نفسه وممّا ذكرناه يظهر الحال في المثال الثّالث وغيره ممّا لم يذكر في المقام فلا تغفل
69 عقد وحلّ
قد يورد التّناقض في كلام بعض المحقّقين حيث جمع بين التّمسّك بقوله تعالى
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
لأصل البراءة