وكيف كان فقد كثر في حلّها القيل والقال والنّزاع والجدال من فحول الرّجال إلى أن اقرّ بعضهم بالورود واعترف الأخر بالجمود والخمود حتّى انّ المحقّق التّفتازانى مع سعة باعه وطول ذراعه في الفنون العقليّة والنّقليّة بعد ان حكم بتحيّر العقول فيها استصوب ترك الجواب والاعتراف بالعجز عن دخول هذا الباب وممّن تكلّم فيها المحقّق الطّوسىّ والعلّامة وابن كمونة والكاتبي والسّيّد الشّريف والسّيّد الدّاماد الّذى هو لأرباب المعقول عماد والمحقّق الدّوانى ومعاصره السّيّد صدر الدّين الشّيرازى الملقّب بسيّد المدقّقين ولهما فيها مباحثات شريفة وكلمات لطيفة في أوراق ورسائل وأوساط ووسائل وقد قرّرت بوجوه اشهرها وجهان أحدهما انّ القائل إذا قال كلامي غدا صادق ثمّ قال في الغد كلامي أمس كاذب فكلّ منهما خبر قطعا ولا يحتمل الصّدق والكذب إذ يلزم من صدق كلّ منهما كذبه وهو محال ثانيهما انّه إذا قال كلّ كلامي في هذا اليوم كاذب ولم يقل في ذلك اليوم غير هذا الكلام لزم ان يكون ذلك الكلام صادقا وكاذبا معا لأنّه ان كان صادقا في نفس الأمر لزم ان يكون المحمول وهو كاذب صادقا على موضوعه وهو قوله كلامي فيكون كلامه كاذبا وقد فرض انّه صادق وان كان كاذبا في نفس الأمر لزم ان يكون المحمول وهو كاذب غير صادق على موضوعه فيصدق عليه انّه كاذب لأنّ الموضوع كلام القائل والكلام واجب الاتصاف بأحدهما فيكون كلامه صادقا وليس كلامه الّا كلامي كاذب فيكون صادقا وقد فرض انّه كاذب وان شئت فقل انّه إن فرض صدق هذا الكلام لزم كذبه وان فرض كذبه لزم صدقه وكلّ ما يلزم من وجوده عدمه يلزم ان لا يكون متحقّقا والّا لكان متحقّقا وغير متحقّق وهو محال فيلزم ان لا يكون هذا القول صادقا ولا كاذبا وقد أجاب عنها المحقّق الدّوانى بعد تمهيد مقدّمة هي انّ حقيقة الخبر الحكاية عن النّسبة الواقعيّة امّا على الوجه المطابق فيكون صادقا أو الغير المطابق فيكون كاذبا فلا يمكن ان يكون حكاية عن النّسبة الّتى هي مضمونه توضيح ذلك ما حقّق في موضعه من انّ مرجع احتمال الخبر للصّدق والكذب إلى امكان اجتماع النّسبة الذّهنيّة الّتى هي مضمونه مع تحقّقها وانتفائها وإذا كانت النّسبة الذّهنيّة حكاية عن نفسها باعتبار وجودها في الذّهن كما في قولك هذا الكلام صادق أو كاذب مشيرا إلى نفس هذا الكلام وكانت بعينها الواقع المحكىّ عنه فلا يمكن اجتماعها مع انتفائها ضرورة امتناع اجتماع الشّيء مع عدمه ولهذا لو قال أحد هذا الكلام صادق مشيرا إلى نفس هذا الكلام لم يكن خبرا بل لم يكن له محصّل فانّ النّسبة الّتى هي مضمونة لا تنتهى إلى المحاكاة عمّا في الواقع بل تدور على نفسها ولعلّ السّرّ في ذلك انّ التّصديق هو الصّورة الذّهنيّة الّتى يقصد بها المحاكاة عمّا في الواقع فلا يكون حكاية عن نفسها إذ محاكاة الشّيء عن نفسه غير معقولة ولأجل ذلك صار احتمال المطابقة واللّامطابقة من خواصّ التّصديق فانّ الصّورة ما لم يقصد بها المحاكاة عن امر واقعىّ لا يجرى فيها التّخطئة والتّغليط كما في الصّور المنقوشة الظّاهريّة ومن هاهنا يعلم الفرق بين الجملة الخبريّة والانشائية المنقولة عنها نحو قولك الحمد للّه على قصد الأخبار والانشاء وألفاظ العقود كذلك فانّ الفرق بقصد الحكاية في الاخبار وعدمه في الإنشاء وملخّص جوابه الّذى ذكره بعد هذه المقدّمة انّ خبريّة الكلام انّما هو من حيث كونه حكاية عن الواقع وقد مرّ انّ الخبر لا يكون حكاية عن النّسبة الّتى هي مضمونة فلا يتناول هذا الكلام لنفسه فانّه من تلك الحيثيّة لا يحتمل الصّدق والكذب فنختار كذبه لانتفاء موضوعه ولا يلزم من كذبه اتّصافه بالصّدق إذ المعدوم ليس بصادق ولا كاذب ونقل سيّد المدقّقين كلامه بما مضمونه انّ كلام القائل انّما يكون صادقا أو كاذبا لو كان خبرا وليس كذلك إذ ليس في قوله كلامي إشارة إلى فرد ذلك المفهوم ولم يحصل آلة لملاحظته لانحصار فرده في الكلام نفسه فلا يمكن ان يجعله إشارة اليه كما لا يمكن ان يقول هذا الكلام وأراد الإشارة إلى نفس هذا الكلام ثمّ اعترض عليه بوجوه أحدها انّ الخبريّة لا تتوقّف على الإشارة المذكورة لإمكان ان لا يكون لموضوعه فرد أصلا كما إذا قيل كلام من لا كلام له كاذب أو لا
يراد الإشارة اليه كما في القضايا الطّبيعيّة الّتى يكون لموضوعاتها افراد وثانيها انّ معنى جعل العنوان آلة لملاحظة فرده ان يحكم على العنوان حكما يتعدى إلى فرده لانطباقه عليه لا ان يلحظ خصوصيّة الفرد حتّى يقال انّه غير مقدور في المقام وثالثها انّ لنا ان نخبر عن اىّ لفظ شئنا بقولنا كاذب سواء كان مهملا أم مستعملا ليس لمعناه فرد أم له فرد فاستثناء كلام القائل عن ذلك الحكم من سائر الألفاظ لا وجه له ثمّ أجاب عن أصل الشّبهة بعد تمهيد مقدّمة هي انّ قول القائل كلامي كاذب يتصوّر على ثلاثة أوجه الحكم بالكذب على لفظ كلامي أو على مفهوم مسمّاه حتّى يكون القضيّة طبيعيّة أو على فرده وهو نفس الكلام لانحصار الفرد فيه فكانّه قيل كلامي كاذب كاذب وحاصل جوابه انّا نختار كذب الكلام ان أريد أحد الوجهين الأوّلين قوله لو كان كاذبا لم يصدق المحمول وهو كاذب على كلامي فيصدق عليه الصّادق قلت مم إذ ليس لفظ كلامي أو مفهومه خبرا إذ الأوّل فرد والثّانى ليس بلفظ ونختار صدقه ان أريد الوجه الثّالث قوله ان كان صادقا لزم ان يكون المحمول وهو كاذب صادقا على موضوعه وهو كلامي كاذب فيكون كاذبا قلت المحكوم عليه بحسب الحقيقة على هذا التّقدير كلامي كاذب فيلزم اتّصافه بالكذب وما فرضنا صدقه بل فرضنا صدق قوله كلامي كاذب كاذب وكذب ذلك يستلزم صدق هذا كما انّ كذب قولك الخلاء موجود يستلزم صدق قولك الخلاء موجود كاذب ولا محذور ح وردّه المحقّق المذكور في رسالة جديدة كما هو دأبه بالنّسبة اليه وبالعكس على ما يرشد اليه ملاحظة تعليقاتهما المتعدّدة من القديمة والجديدة والأجد على شرح التّجريد بما ملخّصه انّه حرّف الكلم عن مواضعه ثمّ أورد بما أراد وليس مرادي ما نقله ثمّ ذكر مراده على الوجه الّذى ذكرناه وحاصله منع كون هذا الكلام على هذا الوجه خبرا لانتفاء كونه حكاية عن النّسبة الخارجيّة لا لأنّه ليس في كلامه إشارة إلى فرده إلى آخر ما قال وحينئذ فلا يرد شيء من ايراداته ثمّ اعترض على ما حقّقه في حلّ الشّبهة أولا بانّ الوجهين الأوّلين ممّا لا مدخل له في المبحث ولا ينساق اليه الوهم فلا جدوى في ذكرهما الا تكثير السّواد وهو لا يليق بطالبى الصّواب ومنتجعى الرّشاد وثانيا بانّه لم يستوعب الاحتمالات لظهور امكان ان يؤخذ قضيّة كلّيّة فيكون معناه كلّ كلامي في هذا اليوم كاذب وانحصاره في هذا الفرد لا ينافي الكلّيّة وان يؤخذ جزئيّة فيكون معناه بعض كلامي اليوم كاذب والمهملة ترجع إليها ولا يخفى اختلاف حال القضيّة صدقا وكذبا بحسب اختلاف الجزئيّة والكلّيّة فالتّعرّض لتلك الوجوه اهمّ فترك ما يعينه واخذ فيما لا يعينه وثالثا بانّ انحصار الكلام في ذلك الفرد لا يقتضى كون المحكوم عليه بالذّات هو نفس الفرد بل العنوان على وجه ينطبق على ما هو فرد له في الواقع كما سبق منه فلا يتمّ قوله إذ لا فرد له سوى ذلك الخ ورابعا بانّ ما ذكره في قوله نختار صدقه ان أريد الوجه الثّالث فيه انّه قد علم سابقا انّه إذا اخذت القضيّة كلّيّة أو جزئيّة لا يكون محصّلها ذلك إذ لا يكون حكم على خصوص ذلك الفرد بل على الأوّل يكون على كلّ ما هو فرد في الواقع وح يكون قوله كلامي كاذب جزئيّا مندرجا على تحته ما اختاره من كون كلّ كلامي كاذب فردا من افراد الموضوع وخامسا بانّ قوله المحكوم عليه إلى قوله بالكذب يرد عليه انّه إذا كذب قوله كلامي كاذب كان كذبه امّا لانتفاء الموضوع أو لاتّصافه بنقيض المحمول والأوّل باطل لأنّ الموضوع عند المجيب هو قوله كلامي كاذب بعينه وهو موجود وكذا الثّانى لاستلزامه كون قوله كلامي كاذب غير كاذب بل صادقا وقد فرض كاذبا هذا خلف وبوجه آخر إذا صدق قوله كلامي كاذب والحكم على نفس كلامي كاذب فتكون صادقا حيث فرض صدقه وكاذبا من
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 460
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص٤٦٠