يستنبط منها الحقائق أو تشير إلى الدّقائق كما يطّلع عليها أهلها وان شئت ان تقف على ما يقربك إلى التّصديق فانظر إلى خبر أبى لبيد المخزومىّ ولاحظ ما استنبطه أبو جعفر ع من فواتح السّور من قيام الأئمّة والخلفاء وتامّل فيما ذكره ع في جواب وفدة فلسطين حين سألوه عن اسم الصّمد من قوله ع لو وجدت لعلمي الّذى اتاني اللّه عزّ وجلّ حملة لنشرت التّوحيد والإسلام والايمان والدّين والشّرائع من الصّمد إلى غير ذلك ممّا يرشد إلى ما ادّعيناه وبعد ما حقّقناه لا يبقى وقع الاعتراض من يعترض بانّ وجوه الدّلالة معلومة ومحصورة عند أهل اللّسان وكلّ معنى من المعاني يرجع إلى إحداها فلو دلّ القرآن على جميع المعاني والاحكام الشّرعيّة والحقائق الكونيّة والأسرار اليوميّة لفهمها أهل اللّسان الّذين نزل القرآن على لسانهم مع انّ المفسّرين من الخاصّة والعامّة لم يزيدوا في تفاسيرهم على ما فهموه ودوّنوه من المعاني الظّاهريّة أو الباطنيّة القشريّة مع انّ بنائهم على رسم كلّ ما سمعوه من حقّ أو باطل سيّما الفخر الرّازى الّذى يكون تفسيره مشحونا من التحقيقات الفكريّة والتّدقيقات النّظريّة واين ذلك من جميع الاسرار الّتى يقال انّ القرآن الكريم مشتمل عليها مع انّ آيات القرآن وألفاظه معدودة محصورة متناهية فلا يمكن استنباط الأسرار الغير المتناهية منها لوجوب وجود المناسبة والمطابقة بين الدّالّ والمدلول فتامّل فيما حقّقناه لتطّلع على حقيقة الأمر
54 عقد وحلّ
قد بنى العامّة العمياء مذهبهم على انّ الأمّة اتّفقوا على خلافة أبى بكر وقد روى عن النّبى متواترا انّ الأمّة لا تجمع على الخطأ فيكون خلاف ما اجمعوا عليه خطأ ومنه خلافة علىّ بن أبي طالب عليه السّلم فان تمّ ذلك بطل مذهب الشّيعة والّا فعليهم ان لا يعولوا على الإجماع في احكامهم مع انّهم يعولون عليه وهذه الشّبهة الواهية اسّست بنيانهم الّذى بنوا ريبة وخرب دينهم الّذى زعموا لعبة أفمن اسّس بنيانه على تقوى من اللّه خير أم من اسّس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنّم ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور فأقول في تخريب بناء مذهبهم الفاسد وهدم أساس طريقهم الكاسد بعد حوالة الجواب عن متمسّكهم من الآيات والأخبار إلى كتب الأصحاب في أصول الفقه وغيره والاكتفاء بما لم يذكر في كتب الأصول عمّا ذكر فيه انّ جلّ علماء الأصول من المخالفين ذكروا انّ الإجماع عبارة عن اتّفاق أهل الحلّ والعقد على امر من الأمور في وقت واحد وقد تكلّموا في مسئلة الإجماع في مقامات مثل انّه ممكن أو محال وعلى تقدير امكانه هل له تحقّق أم لا وعلى التّقادير كلّها هل هو حجّة ودليل أم لا وعلى فرض الحجّيّة هل هو كذلك ما لم يصل ثبوته إلى حدّ التّواتر أم لا وفي كلّ ذلك وقع بينهم التّشاجر والتّنازع فلا بدّ لهم من اثبات ذلك كلّه حتّى يثبت امامة امامهم ويحكم بنيان احكامهم وليت شعري انّ من لم يثبت منهم جميع ذلك كيف يدّعى امامة أبى بكر ثمّ انّ هناك اختلافا آخر وهو انّه هل يشترط في حجّيّة الإجماع ان لا يتخلّف ولا يخالف أحد من المجمعين إلى أن يموت الكلّ أم لا ومع ذلك اختلفوا في انّ الإجماع وحده حجّة أم لا بل لا بدّ له من مسند هو الحجّة حقيقة وليت شعري انّ القائل بالقول الثّانى كيف يثبت مقصده مع انّ السّند الّذى ذكروه في دعوى خلافة الخليفة قياس فقهى حيث قاسوا رئاسة الدّين والدّنيا بإقامة الصّلاة في مرض النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله على ما ادّعوه واثبات حجّيّة القياس في غاية الأشكال حتّى على مذهبهم فانّ الظّاهريّة من أهل السّنة وجمهور المعتزلة ينفون حجّيّته ولغيرهم أيضا في اقسامه وشرائطه اختلاف كثير مع انّ العلّة الجامعة في المقام مفقودة والفارق موجود فانّ الصّلاة خلف كلّ برّ وفاجر جائز عندهم بخلاف الخلافة حيث شرطوا فيها العدالة والشّجاعة والقرشية وغيرها وظنّ بعضهم الأولويّة في المقام نظرا إلى انّ الصّلاة من أمور الدّين والخلافة من أمور الدّنيا غفلة واضحة كيف وكثير من محقّقيهم كالفاضل القوشچى عرفوا الإمامة بالرّئاسة العامّة في الدّين والدّنيا مع انّ الأصل فيه الف كلام لا مجال لذكره ثمّ انّا لو أغمضنا عن ذلك كلّه كيف نغمض عن انّ تعريف الإجماع الّذى ذكروه لا ينطبق على هذا الإجماع الّذى ادّعوه وهذا هو المزلفة الكبرى والدّاهية العظمى وأم حبوكرى قد فرّقهم يمينا وشمالا حتّى انّ صاحب المواقف وشارحه وشارح المقاصد اكتفوا بالواحد والاثنين من أهل العقد والحلّ فيه فانظر كيف يجعلون دين اللّه لهوا ولعبا ويتّخذون آيات اللّه هزوا فسيأتيهم انباء وما كانوا به يستهزءون والعجب انّ فخرهم مع ما له من حالة اللّجاج والتّشكيك اعترف في كتابه نهاية العقول بانّه لم ينعقد الإجماع على خلافة أبى بكر في زمانه بل انّما تمّ انعقاده بموت سعد بن عبادة وكان ذلك في خلافة عمر وقد اتّفق المورّخون على انّ سعدا لم يبايع وخرج إلى الشّام وقتل بعد مدّة فوا عجباه هل يتحقّق الاجماع مع مخالفة مثل علىّ ع وهو الّذى اتّفقوا على صحّة ورود الخبر فيه عن النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله على انّه مع الحقّ والحقّ معه وقد ذكر الغزالي مع تعصّبه في كتاب الأحياء انّه لم يذهب ذو بصيرة ما إلى تخطئة علىّ ع قطّ وقد نقل المحدّث المجلسىّ قدّس سرّه القدوسي في كتاب البحار عن كتاب تلخيص الشّافى فصلا مشتملا على كثير ممّا أجاب به علم الهدى ره عن شبهتهم من طالعه قرّت عينه ولا بأس بايراد بعضه ملخّصا في المقام وهو انّ العامّة رتّبوا الاجماع الّذى ادّعوه على طرق منها انّ الأمر انتهى في خلافته إلى أن لم يكن في الزّمان أحد
الّا وهو راض بإمامته كاف عن النّكير وان تاخّر البيعة عن البعض ومنها انّ الإجماع على فرع لأصل يستلزم ثبوت الأصل وقد استقرّ الإجماع على امامة عمر في ايّامه لامتداد زمان خلافته وظهور الإطاعة من النّاس وموت سعد بن عبادة في أوائل ايّامه وهي فرع لأمامة أبى بكر مع انّه يتمّ الأمر بالنّسبة اليه بعدم القول بالفصل ولابطاله وجهان من الكلام أحدهما انّ ترك المنازعة الكاشف عن الرّضا لم يقع أصلا وثانيهما انّه بعد تسليم وقوعه لم يكشف عن الرّضا امّا الأوّل فيقال فيه انّ الخلاف ظهر في اوّل الأمر ظهورا لا يمكن انكاره من أمير المؤمنين والعبّاس وجماعة بني هاشم وبعض آخر حتّى انّ الزّبير خرج شاهرا سيفه ثمّ انّه بقي الخلاف في المستقبل من بعضهم وان لم يظهر ظهوره في اوّل الأمر لمعاذير كانت هناك ثمّ نقل السّيّد ره اخبارا كثيرة من طرق الفريقين دالّة على انكار على ع ذلك في المستقبل أيضا ثمّ قال ما حاصله انّه لو قيل انّ تلك الأخبار اخبار لا توجب علما قلنا انّها متواترة معنى ولو سلّم فلا شكّ في إفادتها الظّنّ ومعه لا يمكن دعوى القطع بزوال الخلاف في المستقبل فان قيل انّا لا نرجع بهذه الأخبار عن المعلوم قلنا المعلوم ما ذا وكيف يكون زوال الخلاف معلوما مع وجود مثل هذه الأخبار إلى أن قال ما حاصله انّه لو قيل هذا يؤدّى إلى الشّكّ في ارتفاع كلّ خلاف قلنا إن كان ما أشير اليه من قبيل مسئلتنا فالأمر كذلك فان قيل إذا كان الشّيء ممّا يجب ظهوره فانّا نستدلّ بانتفاء ظهوره على انتفائه كما نقول في اثبات اعجاز القرآن انّه لو عورض لوجب ان تظهر معارضته على حدّ ظهوره ولو روى لنا راو من طريق الآحاد انّ معارضته وقعت لم نلتفت إلى روايته وهذا سبيل ما تدّعونه من النّكير الذي لم يثبت ولم يظهر قلنا ما ذكر مسلّم في نفسه لكنّه لا يجرى هنا إذ النّكير على مثل الأمر الّذى اتّفق عليه أكثر المسلمين يجب ستره ولا يجوز اذاعته ثمّ اخذ في بيان الوجه الآخر من الكلام وبين انّ الّذى تمسّكوا به من الكفّ عن النّزاع لا يدلّ على الرّضا لأنّه وقع عن أسباب مختلفة كالتّقيّة والخوف على النّفس والعلم أو الظّنّ بانّ النّكير يستعقب ما هو أعظم من