تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
من الكتب المعتبرة لبنى إسرائيل في قصّة ذي القرنين عبارات أعجب ممّا حكم بكونه خاليا عن المحصّل عاريا عن المعنى فقد ذكر فيه ما معناه انّ إسكندر بعد ان سار على وجه الأرض وصل إلى باب الجنّة وصاح ودقّ الباب وأراد الدّخول في الجنّة فقيل له لا يتيسّر هذا في زمان الحياة فطلب منهم شيئا فاعطوه حلقة عين انسان وهم يؤلون أمثال هذه الكلمات ويحملون آيات القرآن على الإهمال ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور وامّا الجواب عن الرّابع فهو انّه لا تناقض في الآيات الّتى توهم فيها التّناقض أصلا امّا الآيتان الأوليان فلأنّ المشركين لما رأوا يوم القيمة انّ اللّه تعالى يغفر لأهل الإسلام ولا يغفر للمشركين أنكروا الشّرك رجاء ان يغفر لهم فقالوا واللّه ربّنا ما كنّا مشركين فح يختم اللّه على أفواههم ويتكلّم أيديهم وأرجلهم وتشهد عليهم بما كانوا عليه فعند ذلك يؤد الّذين كفروا وعصوا الرّسول لو تسوّى بهم الأرض ولا يكتمون اللّه حديثا فهم يكتمون بألسنتهم فتنطق أيديهم وجوارحهم وامّا الثّانيتان فلأنّ نفى المسألة فيما قبل النفخة الثّانية واثباتها فيما بعدها فانّه إذا نفخ في الصّور فصعق من في السّماوات والأرض الّا من شاء اللّه فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون ثمّ نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون واقبل بعضهم على بعض يتساءلون وامّا الثّالثتان فلأنّ اللّه تعالى بدء خلق الأرض في يومين غير مدحوّة ثمّ خلق السّماوات فسواهنّ في يومين ثمّ دحى الأرض بعد ذلك وجعل فيها الرّواسى وغيرها في يومين فتلك أربعة ايّام كذا أجاب ابن عبّاس عن هذه الآيات حين سأله عنها رجل على ما حكاه عنه الفاضل السّيوطى في تفسير الإتقان ويمكن الجواب عن الثّانيتين بحمل الأولى على عدم التّساؤل في الانسان والثّانية على التّساؤل في غيرها وقد أجيب عن الثّالثتين بوجوه أخر منها انّ ثمّ بمعنى الواو ومنها انّ المراد ترتيب الخبر لا المخبر به كما في قوله تعالى
ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا
الآية ومنها انّ المراد تفاوت ما بين الخلقين لا التّراخى في الزّمان ومنها انّ خلق بمعنى قدر وامّا الرّابعتان فلما قيل من انّ المراد من البصر البصر الباطني اى العلم والمعرفة المعبّر عنه بالبصيرة ويؤيّده قوله تعالى
فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ
فتدبّر وامّا الخامستان فلأنّ الطّمأنينة انّما تكون بانشراح الصّدر بنور التّوحيد والوجل يكون عند خوف الزّيغ والذّهاب عن الهدى وقد جمع بينهما في قوله تعالى
تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ
كذا قيل والأولى انّ يقال انّ الخشية من اللّه من ثمرات معرفته وعلاماتها فكلّ من هو اعرف فهو أخوف فالمراد من الطّمأنينة هو السّكون والثّابت الحاصل من المعرفة في مقابلة التزلزل والتّردد والمراد من الوجل هو الخوف من هيبة القهّار وعظمة الجبّار فلا منافاة وامّا السّادستان فلأنّ المراد انّه ما منعهم عن الايمان الّا تقدير أحد الأمرين من عذاب الدّنيا أو الآخرة لهم بمقتضى نيّتهم الفاسدة وهو الدّاعى على استغرابهم ان يكون البشر رسولا فيئول الإتيان إلى بيان امر واحد وامّا السّابعتان فلوجوه منها تخصيص كلّ موضع بمعنى صلته اى لا أحد من المفترين اظلم ممن افترى على اللّه كذبا ولا أحد من المانعين اظلم ممّن منع مساجد اللّه فيرتفع التّناقض واليه يرجع ما قيل من انّ التّخصيص انّما هو بالنّسبة إلى السّبق بمعنى انّه لمّا لم يسبق أحد إلى مثله حكم عليهم بانّهم اظلم ممن جاء بعدهم سالكا طريقتهم وذلك انّ المراد السّبق إلى المنع والافتراء ونحوهما ومنها ما ذكره أبو حيّان من انّ نفى التفضيل لا يستلزم نفى المساواة فيمكن ان يكون كلّ منهم مساويا للآخر في الأظلميّة فيصير المعنى لا أحد اظلم ممّن افترى ومن منع ومن ذكر بآيات ربّه فاعرض عنها إلى غير ذلك وامّا الثّامنتان فلأن كلمة لا في الأولى مزيدة للتّأكيد كما صرّح به المفسّرون وامّا التّاسعتان فلأنّ المراد من الخلق في غير الآية الأولى هو الجعل والاختراع الصّورى وليس المراد منه الخلق الحقيقي بعد ان قام الدليل العقلي على عدم الشّريك للّه في الخلق وغيره وامّا العاشرتان فلأن المراد في الآية الثّانية القضيّة التّعليقيّة بمعنى انّه لو أمكن نفاد الكلمات لنفد البحر قبل نفاده أو يقال ليس المقصود الّا بيان وسرعة نفاد البحر للإشارة إلى عدم تناهى الكلمات كما يقال لمن أريد تعجيله في المجيء جئنى قبل ان أقوم من مقامي وليس المراد القيام وعدم القيام أصلا ولعلّه يكون من هذا القبيل قوله تعالى
قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ
يعنى آتيك به في اسرع ما يكون وامّا التّاليتان لهما فلأنّ المراد ان خلقها خلق الثعبان العظيم واهتزازها وحركتها وخفّقتها كاهتزاز الجانّ وحركته وخفّته وامّا التاليتان لهما فلوجوه منها كون الاختلاف في السّؤال وعدمه باختلاف الأماكن والمواقف ومنها انّ المثبت سؤال التّبكيت والتّوبيخ والمنفى سؤال المعذرة وبيان الحجّة وامّا التّاليتان لهما فلما قيل من انّ المراد من الأولى مقام التّوحيد بدليل قوله تعالى
وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
ومن الثّانية الأعمال وقيل انّ الثّانية ناسخة للأولى والأولى ان يقال انّ المراد في الأولى بيان ما يستحقه اللّه تعالى من التّقوى وفي الثّانية بيان ما يتمكّن منه العبد والغرض الإشارة إلى انّ العبد ينبغي ان يصرف همّته واستطاعته في طلب المرتبة العليا والغاية القصوى ليحصل له ما يقرب منها فانّ التّرقّى على قدر الهمّة وامّا التّاليتان لهما فلما قيل من انّ المراد في الأولى توفية الحقوق وفي الثّانية الميل القلبي الّذى ليس في قدرة الإنسان ويمكن ان يقال انّ اثبات الإمكان في الأولى انّما هو بزعم النّاس ونفيه في الثّانية بحسب الحقيقة فلا منافاة وامّا الأخيرتان فلما قيل من انّ المراد في الأولى الأمر التّشريعى وفي الثّانية التكويني فليتامّل وامّا الجواب عن الخامس فبانّ الاختلاف انّما يضرّ إذا فات معه المعنى المقصود وامّا إذا لم يفت بان افاده مع زيادة فهو مقتضى البلاغة والآيات القرآنية المختلفة المفاد في نظر القاصرين انّما هي من هذا القبيل مثلا التّراب والحماء المسنون والصّلصال ألفاظ لمعان تحصل في أحوال مختلفة فمرجع كلّها إلى التّراب لكنّ عبّر بها للإشارة إلى التّدرّج والدّرجات وكذا الحال في سائر ما هو من هذا القبيل ففي كيفيّة سجود الملائكة لآدم وتخلّف إبليس لعنه اللّه عنه يكون المقصود الحقيقي بيان مخالفة إبليس وهو مستفاد من كلّ الآيات الدّالّة على هذه الكيفيّة الّا انّ في كلّ منها فائدة زائدة على ذلك فمن واحدة منها يستفاد منشأ المخالفة وهو التّكبّر ومن أخرى منشأ التّكبّر وهو الطّبيعة الحارّة النّاريّة الّتى جبل عليها الجنّ مضافا إلى دفع توهّم انّه تخلّف وهو من الملائكة وهكذا بالنّسبة إلى سائر الآيات ولو بيّنّا نبذة منها لطال الكلام

51 عقد وحلّ

نقل الفخر الرّازى في تفسير الكبير عن بعض المشككين والملاحدة وهو رئيسهم انّهم طعنوا على حجّيّة القرآن وامكان رجوع الأمّة اليه في استنباط الأحكام الشّرعيّة من جهة اشتماله على الآيات المتشابهات ونحن نرى انّ كلّ صاحب مذهب يتمسّك به على مذهبه فالجبرى على الجبر نظرا إلى مثل قوله تعالى
وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْراً *
ومثبت الرؤية عليها نظرا إلى مثل قوله تعالى
وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ
وكذا أهل سائر المذاهب المختلفة ثمّ انّ كلّ أحد يسمّى الآيات الموافقة لمذهبه محكمة والمخالفة له متشابهة وربّما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفيّة ووجوه ضعيفة فكيف يليق بالحكيم ان يجعل الكتاب الذي هو المرجع في الأحكام إلى يوم القيمة على هذا الوجه واىّ فائدة في اشتماله على المتشابهات أليس لو جعله ظاهرا نقيّا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض ثمّ حكى عن العلماء وجوها في فوائد المتشابهات وكانّه جعله جوابا عن الشّبهة وأقواها على ما اعترف به انّ القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخاصّ والعام وطبائع العوام تنبو في الأكثر عن ادراك الحقائق فمن سمع من العوام في اوّل الأمر اثبات موجود ليس بجسم ولا متحيّز ظنّ انّ هذا عدم ونفى فوقع في التّعطيل
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 454 | السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي