تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 453

مساهمون:

ص٤٥٣
الشّعر بشعر مثله في مرتبة الفصاحة ثمّ نظم الشّاعر الأوّل ذلك المعنى بعينه بشعر آخر وعجز الثّانى مرّة ثانية فلا بدّ له من الإقرار بالعجز والاعتراف بالقصور سيّما إذا زعم الشّاعر العاجز انحصار الكلام الفصيح في تلك الواقعة المخصوصة في الشّعر الّذى انشائه الشّاعر الأوّل وتخيّل في نفسه انّه لو زاول الشّعر اتمّ المزاولة لأدّى هو ذلك الكلام الفصيح وفي هذه الحال يأتي الشّاعر الأوّل بشعر آخر كالأوّل في الفصاحة وهكذا فلا ريب في انّ التّكرار مع مراعاة الفصاحة من مؤكّدات الأعجاز لا منافياته سيّما إذا اشتمل العبارة الثّانية على فوائد زائدة على فائدة العبارة الأولى أو اشتمل كلّ منهما على فائدة لا يشتمل عليها الآخر كما هو الحال في القرآن المجيد على ما سنشير اليه فان قيل هذا الّذى ذكرت لا يتمّ في بعض الآيات المكرّرة باللّفظ والمعنى بعينها مثل قوله تعالى
فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ *
في سورة الرّحمن وقوله تعالى
فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ *
في سورة المرسلات قلت ما يكون من ذلك القبيل ففيه اسرار أخر مثل التّاكيد والتّقرير المناسبين في مقام رفع الإنكار الشّديد وهذا بعينه طريق المحاورات العرفيّة لا ترى انّه لو أنعمت على عبد من عبيدك بنعم جسام تقتضى ان يطيعك بأعلى مرتبة الإطاعة فيؤاخذك بضدّ مقصودك فلا يزال يعصيك وينكر نعمتك فأردت اثبات انعامك عليه فطريق المحاورة في مقام الإلزام ان تعدّ النّعم واحدة واحدة وتردّه فيما صنعه مثل ان تقول ألم أر بك وليدا فهذا نعمة أم لا ألم أطعمك بلذائذ الطّعام فهذا نعمة أم لا ألم البسك الأثواب الفاخرة فهذا نعمة أم لا وهكذا إلى أن يسكت ويقرّ باستحقاقك الإطاعة ولو عاقبت عبدا من عبيدك عصاك بألف معصية بعقوبة يلومك بها كلّ النّاس لعدم اطّلاعهم على حقيقة الأمر فتقول في مقام اظهار العذر واثبات الاستحقاق انّ هذا العبد سرق ألف دينار من مالي فهل يستحقّ هذه العقوبة أم لا هذا العبد قتل اعزّ ولدى فهل يستحقّ هذه العقوبة أم لا هذا العبد احرق بيتي فهل يستحقّ العقوبة أم لا إلى غير ذلك والحاصل انّ هذا ليس خارجا عن طريقة العرف واجنبيّا عن حقيقة الفصاحة والبلاغة فربّما يؤثر هذا النّحو من الكلام تأثيرا لا يفيده الف كلام على غير أسلوبه وان شئت ان ينكشف عليك صدق الدّعوى فتامّل في قسم الترجيع من اقسام الشّعر وهو ما يكرّر فيه المصراع الواحد أو البيت الواحد بعد عدّة ابيات تجده مؤثّرا بما لا يؤثّر به غيره وبعد ذلك كلّه يخل الخصم على التّورية والإنجيل المشحونين بالتّكرار كما هو ظاهر عند من طالعهما وامّا بالنّسبة إلى الدّعوى الثّالثة فنقول فمن اظلم ممّن افترى على اللّه كذبا فاىّ لفظ جيء به لمجرّد القافية نعم لا تنكر وقوع القافية فيه وهي من البدائع والمحسّنات لكنّها لم تلاحظ بمجرّدها وما ذكره بعض القاصرين من المفسّرين في بعض الكلمات من انّه لمجرّد رعاية القافية مثل كلمة يسر في قوله تعالى
وَاللَّيْلِ إِذا يَسْرِ
حيث وقع مجزوما فهو ناش من عدم التّامّل والدّقّة فانظر في كلام الأخفش حيث سئل عن وجه الجزم لتطلع على انّ ذلك ليس لمجرّد رعاية القافية وامّا الجواب عن الثّانى فهو انّ اشتماله على المطالب البديهيّة عند كلّ النّاس مم وعلى المطالب البديهيّة عند بعض النّاس مسلّم ولا ضير فيه لأنّ الغرض عموم نفعه ولذا جعل مشتملا على جميع أصناف المطالب كما يدلّ عليه قوله تعالى
وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ
مضافا إلى ما ذكرنا من انّ القرآن من معجزات النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله ولا يفهم اعجازه الّا بفهم معانيه والنّاس مختلفون في الاستعداد وادراك المعاني فلا بدّ من أن يلاحظ حال جميع النّاس لئلّا يكون للنّاس على اللّه حجة وليهلك ومن هلك عن بيّنة ويحيى من حىّ عن بيّنة مع انّ ظهور الفصاحة من كلام علم معناه من الخارج أقرب إلى الوقوع من ظهوره من كلام علم معناه به نفسه وامّا القصص المشهورة الواضحة فسر ايرادها في الوحي الإلهي أمور أحدها ما عرفت من انّ القرآن من المعجزات ولا يظهر اعجازها لبعض المواد الّا بالنّسبة إلى المطالب السّهلة المشهورة سيّما بالنّسبة إلى أهل الكتاب المطّلعين على تلك المطالب سيّما بعد ملاحظتهم انّ هذا النّبىّ امّى لم يقرأ عند عالم ولا نظر في كتاب فلا يكون علمه الّا مستندا إلى الوحي وثانيها انّ الغرض من نزول القرآن هداية الضّالّين وارشاد الهالكين ومن طرق الهداية ذكر العبر والقصص الواقعة في الأمم الماضيّة وذكرها في كتب السّلف لا ينفع بالنّسبة إلى العرب والعجم لاختلاف لسانهم مع ما نزل عليه تلك الكتب من اللّغات فلا بدّ ان تذكر في القرآن ليعرفه العرب ويتعلّمه العجم بسهولة لكون نبيّه ص ومن ارسل إليهم من العرب غالبا مع انّ تلك الكتب محرّفة لا تنفع بعد عدم الوثوق بها مضافا إلى انّه لو كفى ذكر تلك القصص في تلك الكتب عن ذكرها في القرآن لكفى ذكر كثير منها في الكتب السّابقة على تلك الكتب عن ذكرها فيها وثالثها انّ عمدة الغرض الفوائد المعنويّة الّتى ترتب على تلك القصص الّتى لا يعلم أكثرها الّا علّام الغيوب وليس الغرض منها مجرّد الحكاية حتّى يتوهّم ورود الإيراد وامّا الجواب عن الثّالث فهو انّ ادخل الأمور في تحصيل مرتبة الحماريّة الّتى هي مقصود المورد الحماقة الشّديدة الّتى متّصف بها وبآليته ذكر جميع الآيات الّتى لا معنى لها وكانّه لم يجد الّا الآيتين المذكورتين وذكر الآية الأولى يرشد إلى انّه ما فهم ظاهر قوله تعالى وجعلنا
الْجِبالَ أَوْتاداً
والّا فان فهمه فامّا كان يورد عليه وامّا ان يترك الإيراد على الآية الأولى لأنّه امّا كان يدرك معنى ونديّة الجبل أو لا وبالجملة مفاد الآيتين واحد وتوضيحه انّه لا شكّ انّ الجبال سارية في تخوم الأرض نابتة من أعماقها بحيث اتّصلت أصولها بعضها مع بعض كما يرى في حفر الآبار حيث يوصل في قعر الأرض إلى الأحجار الصّلبة بل ربّما أحاط ببعض قطع الأرض حبالا شاهقة إحاطة الظّرف بالمظروف والغرض من ذلك ان لا يتزلزل الأرض ولا تضطرب بالأبخرة المتحركة من اعماق الأرض والمياه المتفجرة من العيون والأنهار والبحار ولذا يكون تأثير الزّلازل في بعض بقاع الأرض الخالي عن الجبال أكثر واظهر كما يشهد به التّجربة مع انّه لو لم يخلق الجبال الشّاهقة لتسلّط المياه المجتمعة من الأمطار والعيون على المواضع المنحدرة وخربها وأهلك أهلها على انّه قد ثبت عندنا من اخبار ائمّتنا عليهم السّلم انّ لكلّ آية من آيات القرآن تنزيلا وتأويلا وظهرا وبطنا وحدا ومطلعا وانّ الفرقان الكريم مشحون بالكنايات والاستعارات واللّطائف وقد جعل بعض المفسّرين المراد من الرّواسى في هذه الآية الأنبياء والأولياء عليهم السّلم الّذين يتحرّك بهم المتحرّكات ويسكن بهم السّواكن ولذا ورد انّه لو خلت الأرض ساعة عن الإمام ع لخسفت أو لهاجت باهلها بل ربّما يؤول الآية بتأويل آخر لا يخلو عن اللّطف لا نطيل بذكره وامّا الآية الثّانية من الآيتين اللّتين ذكرهما ولم يفهم معناهما فمعناها اللّطيف اظهر من أن يحتاج إلى البيان فان الباري تعالى أراد ان يبيّن مقدار سير ذي القرنين وقطعه معمورة الأرض بتمامها من البراري ووصوله إلى البحر المحيط فبيّنها بهذه العبارة اللّطيفة وهذه العبارة مطابقة للمحاورات العرفيّة ألا ترى انّه يقال في العرف انا وصلنا في البحر إلى موضع لم نر في ايّام متعدّدة قطعة من الأرض والشّمس تطلع من الماء وتغرب فيه فالمراد انّ إسكندر وصل إلى موضع من البحر وجد الشّمس فيه تغرب في الماء والمراد من الحمئة السّوداء الظّلمانية وفيه إشارة إلى عظمة البحر وانّه البحر المحيط فانّ الماء كلّما كان أكثر كان في السّواد والظّلمة اشدّ وعلى قراءة الحامية كما هي قراءة ابن مسعود يكون المراد الإشارة إلى ملوحته وسخونته وبالجملة ليس المراد غروب الشّمس في العين حقيقة حتّى يقال انّ الشّمس في الفلك الرّابع وهي أكبر من كرة الأرض بمراتب كثيرة فكيف تغرب في العين وهل يتكلّم بمثل هذا الكلام أدنى جاهل تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا والعجب انّ المورد من أهل الكتاب أو من انس بمشربهم ولم ير في كتاب كما رأى الّذى هو