فكان الأصلح ان يخاطبوا بألفاظ دالّة على بعض ما يناسب ما تخيلوه ثمّ يؤتى بالحقّ الصّريح فلا بدّ من أن يشتمل على كلّ من المحكم والمتشابه ونقل الفاضل السّيوطى عن بعضهم في الجواب ما حاصله انّ المتشابه ان كان ممّا يمكن العلم به فله فوائد منها الحثّ للعلماء على النّظر الموجب للعلم بغوامضه والبحث عن دقائقه فانّ استدعاء الهمم لمعرفة ذلك من أعظم القرب ومنها ظهور التّفاضل وتفاوت الدّرجات إذ لو كان القرآن كلّه محكما لم يحتج إلى تأويل ونظر لاستوت منازل الخلق ولم يظهر فضل العالم على غيره وان كان ممّا لا يمكن العلم به فله فوائد منها ابتلاء العباد بالوقوف عنده والتّفويض والتّسليم والتّعبّد بالاشتغال به من جهة التّلاوة كالمنسوخ وان لم يجز العمل بما فيه وإقامة الحجّة عليهم لأنّه لمّا نزل بلسانهم ولغتهم وعجزوا عن الوقوف على معناه مع بلاغتهم دلّ على انّه نزل من عند اللّه وانّه الذي اعجزهم عن الوقوف وأنت إذا تأمّلت في أجوبة القوم ترى أكثرها لا يمن ولا يغنى وقد أجبنا عن الشّبهة بوجه لطيف ذكرناه في كتابنا وسيلة الوسائل فراجع اليه
52 عقد وحلّ
أورد بعض الاخباريّين على الأصوليّين في عملهم بظواهر القرآن شكّا وحاصله على هيئة الشّكل الأوّل انّ الظّاهر يحتمل اندراجه تحت المتشابه وكلّ ما هو كذلك يجب التّوقّف فيه امّا الكبرى فلصريح الآية وامّا الصّغرى فلانّ المتشابه متشابه الموضوع والمعلوم الخروج منه والدّخول في المحكم هو النّصّ فيبقى الظّاهر محتمل الاندراج تحت المتشابه وهو المط والسّرّ في كونه متشابه الموضوع عدم بيانه في الأخبار ولا يخفى انّه مغالطة محضة وسفسطة صرفة امّا اوّلا فلمنع الكبرى إذ الواجب هو التّوقف في المتشابه المعلوم التّشابه لا المحتمل التّشابه وامّا ثانيا فلمنع كون موضوع المتشابه متشابها ودعوى عدم بيان حقيقته ممنوعة لدلالة الاخبار على معناه وهو ما يؤول إلى المعنى العرفي مضافا إلى انّه مع عدم البيان يكون المرجع هو اللّغة أو العرف والّا يلزم الإغراء بالجهل على انّا نقول يلزم حينئذ عدم جواز الاستدلال بالآية الدّالّة على عدم جواز متتابعة المتشابه عليه لأنّها من المتشابهات بعد عدم بيان حقيقته نظير ما يجاب به عن الاستدلال بالآيات النّاهية عن العمل بالظّنّ على حرمة العمل به مع استلزام حجّيّتها عدم حجّيّتها ومنه ينقدح ضعف ما يقال من انّ الآية محكمة في ذم اتّباع المتشابه دون طلب اتّباع المحكم لأنّه لا يستفاد منه الّا ظنّا إذ كون بعض الكتاب محكما وكون المحكم امّ الكتاب لا يدلّ على ذلك ودلالة ذمّ اتّباع المتشابه على عدم ذمّ اتّباع المحكم انّما هي بمفهوم اللّقب وهي في غاية الضّعف ووجه الضّعف غير خفىّ ثمّ انّ السّيّد صدر الدّين ره أورد قياسا في مقابلة القياس المذكور من قبل الاصوليّين وتقريره انّه لا شيء من الظّاهر بمشتبه وكلّ متشابه مشتبه ينتج انّه لا شيء من الظّاهر بمتشابه وإذا لم يكن متشابها كان محكما وكلّ محكم يجب العمل به وفاقا واستدلّ على الصّغرى بانّ المتشابه كما يدلّ عليه بعض الأخبار ما اشتبه على جاهله ومعنى اشتباهه على جاهله انّ غير الإمام المعبّر عنه بالجاهل بعد علمه بالوضع يتصوّر منه الجهل بالمراد من اللّفظ بحيث يصير متردّدا فيه ولا شكّ انّ الظّاهر يكون المراد منه مظنونا فلا يكون مشتبها بهذا المعنى وأجاب عنه اوّلا بما حاصله انّ المظنون أيضا مشتبه لصدق الجهل المقابل للعلم الّذى هو الاعتقاد الجازم على الظّنّ فالظّانّ أيضا جاهل وثانيا انّه لا دليل على حصر الآيات في المحكم والمتشابه والآية غير دالّة عليه بل يجوز ان يكون الحكم وجوب اتّباع المحكم وردّ المتشابه إلى العالم والوقوف عند الظّواهر وفيه نظر امّا اوّلا فلأنّ المعروف من بعض الأخباريّين تفسير العلم بالاعتقاد الرّاجح الشّامل للظّنّ وعليه يبنى دعوى قطعيّتهم الاخبار وامّا ثانيا فلأنّ ظاهر الآية بل صريحها الحصر مضافا إلى دلالة جملة من الاخبار عليه
53 عقد وحلّ
ربّما يستشكل فيما ورد في كثير من الأخبار من انّ للقرآن سبعة بطون أو سبعين بطنا وورد في بعضها تفسير بعض البطون بانّه لا يتمّ مع ما تحقّق في محلّه من عدم جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد من معانيه الحقيقية أو المجازيّة أو الحقيقيّة أو المجازيّة فانّ البطن لا يخلو عن كونه معنى حقيقىّ أو مجازىّ وأجاب صاحب الفصول ره عنه بوجوه أحدها انّ بطون القرآن بطون لظاهره وان لم يساعد افهامنا على التّوفيق بينهما فتكون ح مرادة بإرادته وثانيها انّ اللّفظ يكون مستعملا في معناه الظّاهر ويكون دلالته على بقية المعاني من باب التنبيه والإيماء كما في الكناية وثالثها انّ القرآن عبارة عن الألفاظ المؤلّفة دون استعمالها فيجوز ح ان يراد بتأليفها ما يصلح له ممّا فوق المعنى الواحد وهو خارج عن محلّ البحث ورابعها امكان ان يكون الاستعمال متعدّدا على حسب تعدّد البطون وليس في تلك الأخبار دلالة على انّ الكلّ مراد باستعمال واحد أقول تحقيق المقام انّ إرادة البطون ليست مبنيّة على ملاحظات لفظيّة ومناسبات لغويّة بل مبنيّة على إشارات معنويّة لا يعرفها الّا الرّاسخون في العلم والّذى يمكن ان يقال في بيانها وجوه الاوّل ما ذكره بعض المحقّقين وحاصله انّ لكلّ معنى من المعاني حقيقة وروحا وله صور وقوالب وقد يتعدّد الصّور والقوالب الحقيقة واحدة وانّما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ولوجودهما في القوالب تستعمل الألفاظ فيها على الحقيقة لاتّحاد ما بينهما مثلا لفظ القلم انّما وضع لآلة النّقش في الألواح من دون ان يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غيرهما بل ولا ان يكون جسما ولا كون النقش معقولا أو محسوسا ولا كون اللّوح من قرطاس أو خشب بل مجرّد كونه منقوشا فيه فباطن معنى اللّفظ وظاهره يرادان بالنّسبة إلى الأفهام المختلفة فالقشرى يدور على القشر واللبّيّ يخوض في اللّب والكلّ صحيح غير مختلف من حيث الحقيقة ولا مجاز فيه أصلا وهذا أشبه شيء بعموم الاشتراك الثّانى ما حكى عن بعض أهل المعرفة وملخّصه انّ العلم بالشّيء امّا يستفاد من الحسن روية أو تجربة أو سماع خبر أو شهادة أو سماع خبر أو نحو ذلك ومثل هذا العلم لا يكون الّا متغيّرا فاسدا محصورا متناهيا غير محيط لأنّه انّما يتعلّق بالشّيء في زمان وجوده علم وقبل وجوده علم وبعد وجوده علم وهكذا كأكثر علوم النّاس وامّا يستفاد من مباديه وأسبابه وغاياته علما واحدا كلّيّا بسيطا محيطا على وجه عقلىّ غير متغيّر فانّه ما من شيء الّا وله سبب وهكذا إلى أن ينتهى إلى مسبب الأسباب وكلّ ما عرف سببه فلا بدّ ان يعرف علما ضروريّا دائما فح يعلم الثواني من الأوائل والجزئيّات من الكلّيّات والمركّبات من البسائط ومن هذا القبيل علم اللّه سبحانه وعلوم الملائكة والأنبياء والأوصياء بالأمور الماضية والمستقبلة وهذا هو المراد من قوله تعالى
وَنَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ
فانّ جميع العلوم والمعاني في القرآن الكريم إذ ما من امر من الأمور الّا وهو مذكور فيه امّا بنفسه أو بمقوّماته وأسبابه ومباديه وغاياته ولا يتمكّن من فهم آيات القرآن وعجائب اسراره الّا من كان علمه من هذا القبيل الثّالث ما يجول في جناني ويدور على لساني وهو انّ هذا النّحو من الدّلالة خارج عن سنخ الدّلالات الثّلاث كلّها ولا دخل له باحداها وإلى هذا يشير قول الصّادق عليه السّلم في رواية الغوالي القرآن على أربعة أشياء على العبارة والإشارة واللّطائف والحقائق وعدم تصوّرنا دلالة تكون خارجة عن اقسام ثلاثة لا يقتضى عدم وجودها فانّ علومنا ومعقولاتنا كلّها من هذا القبيل فلا نتصوّر شيئا ورائه كما انّا لا نتصوّر عالما غير عالم الأجسام من جهة كون عالمنا ذلك وحصر الدّلالات فيها انّما هو لعامّة الخلق والّا فللخواصّ والأخصّيين طرق أخرى لا يمكن لنا فهمها فضلا عن الإحاطة بها ومنها القواعد التّكسّرية والإشارات العدديّة الّتى