[ المقام الأول في المتكافئين ]
قوله قد يقال بل قد قيل اه أقول ربّما يستدلّ عليه بوجه آخر وهو انّ الجمع غير ممكن كما هو المفروض والتّرجيح بلا مرجّح باطل فلا بدّ من الحكم بالتّساقط وفيه انّ الحصر غير حاصر لاحتمال التّخيير الشّرعىّ على ما بينّاه قوله لانّ دليل الحجّيّة اه أقول هذا ما استدلّ به السّيّد ره في المفاتيح وملخّص مرامه زيد في اكرامه انّ ادلّة الخبر امّا ان يدلّ على الوجوب التّعيينى فقط فهو المط أو التّخييرى فقط ولم يقل به أحد مع انّه يلزم التّخيير في صورة عدم التّعارض أيضا فيأخذ المكلّف بمؤدّاه أو بالأصل وهو بديهىّ البطلان أو على القدر المشترك بينهما وهو مطلق الوجوب وهو باطل أيضا لمجازيّته مع قصد الخصوصيّة فلا بدّ من القرينة فيلزم عدم الوجوب التّعيينى في صورة عدم التّعارض لعدم القرينة فيلزم التّوقّف فيه فان قيل القرينة موجودة وهي عدم وجود المعارض قلت القرينة ما يعين المعنى المجازى ويرفع الاحتمال وعدم ظهور المعارض ليس كذلك إذ لا يعيّن الوجوب العيني لانّ عدم وجدان المعارض اعمّ من عدم وجوده أو على التّعيينى والتخييري معا وهو باطل أيضا لعدم جواز استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد ولو بنينا على جوازه لا يجوز هنا إذ لا شكّ في مرجوحيّته وقد دار الامر بينه وبين التّقييد في ادلّة حجّيّة الخبر بصورة عدم التّعارض وهو أولى كما تقرّر في محلّه قوله ولكن ما ذكره من الفرق اه أقول الكلام المستوفى والبيان المستقضى في الجواب عن دعوى عدم شمول الإجماع هو ان يقال انّ المانع من دعوى الإجماع في محلّ الكلام ان كان وجوب المخالف من جهة ذهاب جمع إلى الحكم بالتّساقط فجوابه انّ هذا الخلاف لا ينافي الإجماع إذ المراد هو الإجماع على القاعدة الكلّيّة المقيّدة وهي حجّية كلّ خبر واحد إلّا ان يقوم الدّليل على عدم حجّيته والقائل بالتّساقط لا ينكره بل يدّعى في هذه الصّورة وجود الدّليل على عدم الحجّيّة وهو وجود التّنافى وبمثل ذلك يجاب عمّا يقال في مسئلة حجّيّة الكتاب من انّ الإجماع لم يقم على حجّيّته في مقابل الخبر والقدر المسلّم منه هو صورة عدم وجود الخبر في مقابلته بيانه انّ المخالف لم يخالف الإجماع بل يدّعى قيام الدّليل على عدم حجّيّته حينئذ وهو الأخبار القطعيّة وان كان المانع عدم امكان تحقّقه في صورة التّعارض لعدم القابليّة ففيه انّ المانع ان كان هو ذات كلّ منهما مع قطع النّظر عن المعارضة فضعفه ظاهر لانّ أحدهما مع الآخر حينئذ كالحجر الموضوع بجنب الإنسان وان كان المانع تعارضهما فمجرّد ذلك لا يوجب السّقوط عن الحجّية نعم ينفع ذلك في مباحث الألفاظ والتّعارض من حيث الدّلالة كما إذا ورد عامّان متعارضان مثل أكرم العلماء ولا تكرم العلماء فانّ كلا منهما يسقط الآخر عن الظّهور فيسقط عن الحجّيّة لابتنائها على الظّهور فيتساقطان ولذا نقول بالتّساقط هناك ولا نحكم بالتّخيير لأنّه بعد احراز الدّليلية والمفروض زوال إفادة الظّنّ عن كلّ منهما بالآخر وكذا التّعارض في الأصول العمليّة كما إذا تمم الماء الطّاهر القليل كرّا بالنّجس فاستصحاب طهارة المتمّم بالفتح يقتضى طهارة المجموع واستصحاب نجاسة المتمّم بالكسر يقتضى نجاسته فيحكم بالتساقط والرّجوع إلى سائر الأصول لحصول الاجمال في ادلّة الاستصحاب من جهة التّعارض الموجب للسّقوط عن الاعتبار ولا ينفع في التّعارض من حيث الصّدور كما فيما نحن فيه وان أريد بذلك انّ التّعارض يوجب عدم قيام الاجماع على حجّيتهما فهو التزام بالحجّية وقد يقال في الاعتراض عليه انّه ان أريد الاجماع العملي فلا شكّ انّ عمل الأصحاب على الاعتبار في كلّ مقام ولذا كان أصحاب الأئمّة عليهم السّلم يسألونهم عن حكم المتعارضين وان أريد الإجماع القولي فلم يفصل أحد في الحجّيّة بين الصّورتين وهو كما ترى قوله وامّا ما كان وجود أحدهما اه أقول وذلك كالخاصّ بالنّسبة إلى العام بناء على حجّيّة ظهوره من باب الظّنّ الشّخصى كما اختاره شريف العلماء قوله فافهم أقول لعلّه إشارة إلى انّ هذا انّما يتّجه إذا كانت الأمارة المانعة معينة وليس المقام كذلك فانّ وجود كلّ من المتعارضين يمنع عن وجوب العمل بالآخر من دون تعيين الأمارة المانعة عن الممنوعة فكلّ منهما مانعة وممنوعة قوله لكن هذا كلّه اه أقول لا يخفى انّ المشهور المستنبط من كلمات الأصحاب في مسئلة التّقليد وغيرها هو التّخيير البدوي الّا انّ المتراءى في بادي النّظر على مقتضى هذا التّحقيق هو الحكم بالاستمرار كما
ذهب اليه بعضهم لأنّه على تقدير سببيّة الأخبار انّما تكون المصلحة في نفسها وليس المراد فيها ادراك مصلحة الواقع ولمّا لم يمكن جمع المصلحتين يحكم بالتّخيير بينهما ولا شكّ انّ الخبر الآخر لا يزول مصلحتها باختيار هذا الخبر بل هي باقية غير مجتمعة مع مصلحة هذا الخبر فللمجتهد ان يختاره أحدهما اوّلا ثمّ يختار الآخر وبما قرّرناه ظهر لك انّ العمدة في اثبات الاستمرار هي احراز المقدّمة المذكورة هاهنا اعني كون التّخيير مبنيّا على السّببيّة فح لا حاجة إلى ما استدلّوا به على الاستمرار ولو قطع النّظر عن هذه المقدّمة لم يكن تامّا وسيأتي الإشارة اليه بالتّميز هو العقل وهو لا يفرق بين الصّورتين وفيه انّه انّما يتمّ إذا تمّ التّخيير على طريقيّة الاخبار لكون مؤدّى الخبر المختار ح حكما واقعيّا لكنّه لا يتمّ كما عرفت وامّا ما يقال في الجواب من انا نمنع تساوى الصّورتين لانّ العقل انّما جوّز ترجيح المختار فلا يجوز غيره فليس على ما ينبغي كما هو ظاهر وممّا استدلّوا به أيضا اطلاق الأخبار فلا وجه لتقييدها وفيه انّ اطلاقها وارد في مقام الحكم أصل التّخيير فلا يتمسّك به نظير ما ذكره الفقهاء في ردّ الشّيخ ره حيث استدلّ باطلاق قوله تعالى
فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ
على طهارة موضع عضة الكلب من الصّيد من انّ الإطلاق وارد مورد الحكم الآخر وهو الحليّة فلا يمكن التّمسّك به في اثبات الطّهارة وربّما يستدلّ بالاستصحاب أيضا وفيه انّه انّما يتمّ على القول بالمسامحة العرفية في احراز الموضوع وامّا على القول بالمداقّة العقليّة فلا يتمّ لأحتمال مدخلية التحير في الموضوع وقد زال باختيار أحد الخبرين هذا لكنّ النّظر الدّقيق لأهل التّدقيق والتّامّل الحقيق لأرباب التّحقيق يحكم بصحّة المشهور استنادا إلى انّ الأمر دائر بين تعيين الابتداء والتّخيير بينه وبين الاستمرار والأصل يقتضى الاوّل كما إذا علم بوجوب عتق الرّقبة المؤمنة وشكّ في تعيّنها بل الأمر هنا أوضح إذ الشّكّ هناك انّما هو في التّكليف والمكلّف به فتجرى البراءة وهنا في طريق الإطاعة