مدفوع بانّه لا بدّ من قابليّة القرينة للصّرف وهي منتفية فيها انّه ان أراد ان حكمته ذلك فالحكمة لا تصير دليلا والّا فيمكن النّافلة في المسجد من غير رياء في حقّ بعض النّاس ممّن يثق من نفسه الحفظ من الرّياء وان أراد انّ الدّليل هو القاعدة فنقول ما ذكره من تقديم النّافلة ليس فيه جمع بل هو اطراح لدليل المسجد رأسا فانّ التّعارض انّما هو في مادة الاجتماع فبعد الأخذ فيها بأحدهما يطرح الآخر على انّا نقول ليس بينهما عموم من وجه بل العموم مط من جهة انّ الملحوظ في نظره من افضليّة النّافلة في البيت النّسبة إلى المساجد لا مثل الصّحارى ونحوها ومع جميع ذلك كلّه في قوله وفيه مع ذلك إلى آخره تكرار ومن التّامّل فيما ذكرناه تقدر على استنباط ضعف ما ذكره المحقّق المذكور فانّ المبنى في الوجه الأوّل هو العمل بالخبر الثّانى فلم يصر العمل به من وجه بل صار العمل به مط على وجه التّخصيص فقوله ويطرح دلالة الرّواية الأولى غير ظاهر الوجه فانّ التّخصيص ليس طرحا مع انّ ما ذكره من قوله فهي قرينة الخ ليس على ما ينبغي لأنّ كلام الشّهيد ره كفروعه ظاهر في انّ في تعارض المتباينين لم يعتبر حاجة إلى القرينة إذ مستند الجمع فيهما هو الأصل وهو اعمال الدّليلين وان كان هو القرينة لم يكن تعارض حتّى يجمع بل يكونان متباينين فافهم وفقه المسألة انّ المشهور ذهبوا إلى افضليّة صلاة النافلة في البيت وبنوا لعمل على طبق ذلك من جهة الشّهرة لأنّها من المرجّحات لكن الحقّ انّه خاصّ يقدّم عليه من جهة الخصوص ولعلّ منشأ قول الفقهاء حقيقة ما ذكرناه قوله ولو خصّ المثال بالصّورة الثّانية اه أقول لا يخفى انّ ذلك ليس من جهة الجمع بين البيّنتين بل من جهة تقديم بيّنة الخارج أو الدّاخل على اختلاف العلماء فيه فانّه ثبت في هذه الصّورة لكلّ واحد منهما يد على النّصف ولذا ذكر المص الأستاد ره انّه لو خصّ المثال بالصّورة الثّانية لم يرد عليه ايراد المحقّق القمّى ره وهو ما ذكرناه قوله وان كان ذلك أيضا اه أقول يمكن ان يريد المناقشة في كلام المحقّق القمّى ره نظرا إلى ما ذهب اليه بعضهم من انّ اليد انّما ثبتت على الكلّ في أمثال المسألة فحكم بتضمين كلّ واحد من الأيدي المتعدّدة لو ثبّت على عين بتمامها ولكنّه خلاف التّحقيق ولعلّه أراد المناقشة في الصّورة الثّانية أيضا كالأولى وبيانها انّ الجمع فيها ليس أيضا من جهة الجمع بين البيّنتين أو لعلّه من جهة انّ الدّعوى كانّها تحدث علاقة الملكيّة إذا كانت بلا معارض وهاهنا وان كانت معارضة بغيرها لكنّ الدّعويين حدثتا في زمن واحد فمجرّد احتمال المشاركة يحكم بها نظرا إلى انّ الدّعوى لها نوع سببيّة في الملكيّة ويمكن المناقشة فيهما بانّ كلامنا في ادلّة الاحكام والبيّنة من ادلّة الموضوعات ولا تلازم بينهما بل هنا لا يلزم ان يكشف الجمع عن الإرادة بل يكفى لصحّته استلزام خلافه التّرجيح بلا مرجّح إذ الملك لا مالك له سواهما فإذا لم يمكن الحكم بالجميع لأحدهما تعيّن التّنصيف بخلاف دليل الحكم فانّه لا يكفى إذ هو خطاب والعمل به يتوقّف على ثبوت إرادة المتكلّم منه والّا يلزم من العمل بالجمع دون مقابله ترجيح بلا مرجّح أيضا إذ المرجّحات العقليّة غير مرتبطة بالمدعى فلا تصلح للتّرجيح فالجمع في ادلّة الاحكام لا يصحّ الّا بما يكشف عن لإرادة ونظير هذا ما ذكره بعض أرباب الظّنون الخاصّة بالنّسبة إلى الظّنّ المطلق من انّه لا يكشف عن الإرادة لاحتمال عدم المصلحة فتامّل قوله وفي مثل تعارض البيّنات اه أقول سرّ عدم امكانه فيه انّ كلام كلّ واحد من الشّهود لا يصلح ان يكون قرينة لظاهر الآخر بخلاف ادلّة الأحكام فانّها بمنزلة كلام متكلم واحد وان صدرت من متكلّمين أو أكثر قوله بخلاف حقوق النّاس اه أقول هذا على اطلاقه غير مراد فان من حقوق النّاس ما لا يمكن التّبعيض فيه كما لو باع الوكيل والموكّل معا العين الموكّل في بيعها واشتبه المتقدّم أو التّقدّم فانّ كلّا من البيعين سبب ولا يمكن الجمع بينهما بالتّبعيض والتّقسيط إذ السّبب التّامّ يفيد ملك التّمام فلا بدّ من الحكم بتساقطهما لأنّ العمل بأحدهما دون الآخر أيضا باطل لاستحالة التّرجيح من غير مرجّح قوله في رواية السّكونى اه أقول روى السّكونى عن الصّادق عليه السّلم في رجل استودعه رجل دينارين واستودعه آخر دينارا فضاع دينار منهما فقال عليه
السّلم يعطى صاحب الدّينارين دينارا ويقتسمان الدينار الباقي بينهما نصفين وقد تقدّم الكلام في هذه المسألة في أوائل الكتاب قوله ولكنّ الأنصاف اه أقول وذلك لما مرّ من حجّية قاعدة القرعة سيّما في موارد عمل الأصحاب بها ومنها مسائل تعارض البيّنات والأشكال الّذى أورده بعض الفقهاء من عدم شمول ادلّتها للمشتبه الواقعي على فرض تمامه لا يجرى فيها كما لا يخفى قوله نعم يبقى الكلام اه أقول يظهر الثّمرة فيما إذا ادّعى ثالث فعلى الثّانى يكون دعوى بلا معارض بخلاف الأوّل قوله وكذا الكلام اه أقول بعبارة أخرى الكلام في انّ مفاد القرعة هل هو حكم واقعىّ أو ظاهرىّ مقتضى ادلّتها مختلف ويمكن ترجيح الأوّل وانّها ناظرة إلى الواقع فتجرى في المشتبه الواقعي أيضا ولا ينافيه تقديم الأصول العمليّة المفيدة للحكم الظّاهرى عليها نظرا إلى كثرة ورود التّخصيص عليها كادلّة نفى الضّرر ولذلك اشترطوا في العمل بها عمل الأصحاب ثمّ انّ هذا النّزاع كما لا يخفى على المتامّل غير النّزاع المعروف بينهم من انّ القرعة هل هي عزيمة أو رخصة يجوز تركها وكيف ما كانت فهل يجب العمل بها بعد اعمالها فلا يتفسح الّا مع العلم بالمخالفة للواقع أو لا يجب بل يجوز ترك العمل بها وان كان النّزاعان متناسبين وتحقيق الكلام في النّزاع الثّانى ممّا هو مذكورة في محلّه ولا يهمنا إطالة الكلام فيه في المقام
[ ان المتعارضين اما ان لا يكون مع أحدهما مرجح فيكونان متكافئين متعادلين واما ان يكون مع أحدهما مرجح ]
قوله فيكونان متكافئين متعادلين اه أقول معنى التّعادل بحسب اللّغة ظاهر فانّه مشتق من العدل وهو أحد شقىّ الحمل وانّما الكلام في معناه بحسب الاصطلاح فهل هو تساوى الدّليلين في الواقع أو تساويهما في نظر المجتهد فقيل بالثّانى واليه ينظر كلام صاحب القوانين وهو ان تعادل الامارتين عبارة عن تساوى اعتقاد مدلوليهما وهو فاسد ضرورة انّ التّعادل بهذا المعنى ممّا لا ريب في امكانه وليس قابلا للمنع مع ورود النّزاع والمنع عن بعض العامّة فالحقّ انّ النّزاع انّما هو في المعنى الأوّل والاصطلاح مستقرّ عليه وينبغي ان يعلم انّ مرادنا من الواقع ليس الواقع النّفس الأمرىّ المطابق لعلم اللّه تعالى المرسوم في اللّوح المحفوظ إذ هو واحد لا يمكن التّعادل فيه بل مرادنا منه هو خلاف نظر المجتهد بمعنى القاء الشّارع دليلين متعادلين حقيقة وواقعا لمصلحة من المصالح كالتّقيّة مثلا فهو ممكن عقلا وشرعا بل واقع أيضا كتعادل المجتهدين الّذين هما دليلان للمقلّد بجعل الشّارع وخالف فيه جمهور العامّة فأنكروا امكانه شرعا استنادا إلى أنه مستلزم للتّناقض طلب أو ترك الجميع أو التّرجيح