الخروج عن عهدته باتيان المحتملات من غير نظر إلى الحالة السّابقة أيضا بخلاف استصحابهما فانّ المفهوم الاخذ بالحالة السّابقة الثّابتة منهما وانّما الخفاء في الفرق بحسب المصداق والتّحقيق فيه انّ الجليل الحلى من النّظر يحكم بالتّساوى بينهما وبين استصحابهما وعدم حصول الانفكاك بينهما لكنّ النّظر الدّقيق يحكم بانّ النّسبة هي العموم من وجه فمورد اجتماع قاعدة البراءة واستصحابها الدّعاء عند رؤية الهلال فانّ قاعدة البراءة واستصحاب البراءة الثّابتة في حال الصّغر يقتضيان عدم وجوبه ومورد افتراق الأوّل هو ما إذا شكّ في تعلّق التّكليف بالكلّى ليكون وجوب فرد خاصّ منه لأجل كونه مقدّمة لوجود الكلّى أو بالفرد ليكون وجوبه لنفسه لا لغيره كما في المطلق والمقيّد كرقبة ورقبة مؤمنة إذا حصل الشّكّ في متعلّق التّكليف منهما فانّ قاعدة البراءة تقتضى عدم الحكم بتعيين المقيّد متعلّقا للتّكليف إذ الضّيق والتّعيين بمنزلة زيادة التّكليف فينفى بقاعدة البراءة كما تنفى الزّيادة وامّا استصحابها فلا يقتضيه لعدم اليقين بالبراءة عنه حتّى يستصحب لتساوى احتمالي تعلّق التّكليف بالكلّى وتعلّقه بالفرد ومثال العكس هو ما إذا شكّ في كون وجوب فرد من الأفراد عينيّا أو تخييريّا فيجزى فيه استصحاب البراءة عن وجوب فرد آخر يحصل به التّخيير بخلاف قاعدتها لأنّ مؤدّيها دفع العقاب وليس المقام مظنّة العقاب لدوران الأمر بين وجوب ذلك الفرد الآخر تخييرا وبين عدم وجوبه أصلا وايّاما كان لم يكن هناك عقاب كما هو شان الواجبات التّخييريّة حيث انّ العقاب يرتفع بفعل فرد منها عن ترك الأفراد الباقية ومثال اجتماع قاعدة الاشتغال واستصحابها كثير جدّا فانّ أكثر موارد القاعدة من هذا القبيل كما في المصلّى إلى اربع جهات عند اشتباه القبلة إذا بقي شيء من الجهات لم يصل إليها فيثبت وجوب الصّلاة إلى تلك الجهة بهما ومثال افتراق كلّ منهما عن الآخر هو ما إذا دار الأمر بين كون الواجب موسّعا أو مضيّقا بالنّسبة إلى وقت محدود فبالنّسبة إلى الوقت تجرى القاعدة دون الاستصحاب لعدم الشّكّ الّذى هو من أركان الاستصحاب وبالنّسبة إلى ما بعده يكون الأمر بالعكس ومثله الشّكّ في كون المأمور به الفورى يراد فيه الفور الحقيقي أو العرفي وذكر المحقّق القمّى ره في مقام التّمثيل لمورد افتراق قاعدة البراءة عن استصحابها ما إذا صدر امر بشيء وشكّ بعد خروج وقته في وجوب قضائه وعدم وجوبه على القول بانّ القضاء بأمر جديد وكان الدّليل ساكتا عنه فانّ القاعدة تجرى فيه دون استصحابها لتردّد الدّليل بين ايجاب القضاء وعدمه فلم يتيقن البراءة سابقا حتّى يستصحب وفيه ما لا يخفى إذ البراءة عن أصل التّكليف أداء وقضاء ثبتت في حال الصّغر فتستصحب ومنه ينقدح ضعف ما ذكره صاحب الفصول في مقام التّمثيل له أيضا فانّه مثل له بما لو علم المكلّف صدور الجنابة والغسل كليهما عنه وشكّ في المتقدّم منهما فحينئذ يجرى القاعدة بالنّسبة إلى الأحكام المترتبة على الجنابة كحرمة دخول المساجد وقراءة العزائم ولا يجرى استصحابها لعدم اليقين السّابق بالبراءة لتردّد الحال بين تقدّم الغسل وتقدّم الجنابة والتّوضيح انّ البراءة الثّابتة في وقت عدم تحقّق هذا التّردّد والشّكّ للمكلّف يستصحب فيجتمع الاستصحاب مع القاعدة فلا يصلح ذلك مثالا لصورة الافتراق ثمّ انّ هذا الّذى ذكرناه من كون النّسبة هي العموم من وجه انّما هو على مذاق المشهور ومشرب الجمهور وامّا على مذاقنا فالنّسبة هي التّباين توضيح ذلك في قاعدة البراءة واستصحابها انّ مقتضى الاستصحاب هو اثبات الحكم الواقعىّ الّذى تيقّن وجوده سابقا وشكّ فيه لاحقا ومؤدّى البراءة هو دفع العقاب وهو ليس حكما محمولا على شيء في الواقع مع انّ للشّكّ واليقين في الاستصحاب جهة المرآتية وللشّكّ في البراءة جهة الموضوعيّة للحكم بعدم العقاب مضافا إلى انّ هذا الاستصحاب على تقدير جريانه أصل مثبت لا عبرة به لأنّ عدم التّكليف من اللّوازم العقليّة لاستصحاب البراءة الّتى معناها عدم العقاب نعم إذا كان اللّازم الثّابت به من اللّوازم الشّرعيّة كان به عبرة كما إذا شكّ في وجوب الفريضة عليه فإذا استصحب البراءة عنها ثبت جواز التّطوّع له لعدم وقوعه في وقت الفريضة وهو لازم شرعىّ لعدم وجوب الفريضة وتوضيحه في قاعدة الاشتغال واستصحابها يتّضح بعد ما ذكرناه فانّ مؤدّى الاستصحاب هو الاحكام الواقعيّة ومؤدّى القاعدة هو اتيان جميع المحتملات ليقين الامتثال وليس ذلك حكما واقعيّا محمولا على شيء في الواقع مضافا إلى ما مرّ من انّه مع جريانه أصل مثبت لأنّ لزوم الصّلاة إلى
الجهة الباقية في المثال المذكور من اللّوازم العقليّة لكون المكلّف مأمورا ومطلوبا منه ويظهر الثّمرة في جواز اجتماع كلّ من القاعدتين واستصحابه في تعدّد الدّليل وعدمه ويتفاوت بهما الحال في مقام التّعارض وفي تعارض هذا الاستصحاب مع استصحاب آخر قام على خلافه وعدمه وانحصار الدّليل في نفس القاعدة فيقدّم عليها ذلك الاستصحاب وفي ترتب الثّواب والعقاب على الآتي بالفعل بمقتضى استصحاب الاشتغال والتّارك له نظرا إلى كون الاستصحاب من الأحكام الظّاهريّة الّتى يترتّب عليه الثّواب والعقاب وعدمه نظرا إلى انّ الحاكم بالاشتغال هو العقل وحكمه ارشادىّ لا يترتّب عليه شيء منهما إذ مدارهما على الواقع وخلافه قوله اعني اصالة البراءة واصالة الاشتغال اه أقول ومثلها أصل الطّهارة فيكون الاستصحاب واردا عليه لأنّ مورده صورة الشّكّ وعدم ترجح أحد طرفي الطّهارة والنّجاسة فمع قيام الاستصحاب وحصول التّرجيح به فلا يبقى له مورد وبعبارة أخرى هو مغيّا بغاية العلم في قوله عليه السّلم كلّ شيء طاهر حتّى تعلم انّه قذر والاستصحاب علم شرعىّ فلا مجرى له بعد وجوده قوله فما كان مساوقا اه أقول كقوله عليه السّلم النّاس في سعة ما لم يعلموا ان قلنا بكون الأخبار مقرّرة الحكم العقل وامّا إذا قلنا انّ مفادها اثبات حكم تعبّدىّ وهو الإباحة الظّاهريّة فان بنينا على الوصفيّة في الاستصحاب فالحكم كذلك لأنّه ح يكون دليلا اجتهاديّا وتقدّمه على الأصل ممّا لا ريب فيه وان بنينا فيه على السّببيّة فهل يحكم بتقديمه عليها أو تقديمها عليه أو التّفصيل بين الشّبهات الحكميّة والموضوعيّة فيقدّم الاستصحاب في الأولى على البراءة ويقدّم المزيل على المزال في الثّانية كائنا ما كان ان وجد والّا فيقدّم الاستصحاب أوجه أوجهها الأخير ولنذكر أمثلتها ليظهر سرّ ذلك فمثال تعارضهما في الشّبهة الحكميّة ما إذا شكّ في طهارة العصير بعد ذهاب ثلثيه بالشّمس فمقتضى استصحاب النّجاسة السّابقة هو الحكم بالنّجاسة ومقتضى اصالة البراءة هو الطّهارة
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 370
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص٣٧٠