تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
تطلع على معتقداتى فانظر إلى آخر ما صنّفت وهي رسالة صغيرة الحجم سمّيتها بالإنصافيّة فاستيقظ الفاضل متوحّشا مضطربا فلمّا أصبح الصّباح اشتغل بالتّدريس ونسي ذلك ففاجأه التّذكّر في وسط الدّرس فأرسل بعض تلامذته إلى أحفاد المحقّق ليتفحّصوا عن الرّسالة فما خرج عن الدّار الّا واحد أحفاده دخل على الفاضل وقال بعد التّسليم والتّحيّة والجواب رايت جدّى الفيض في البارحة في عالم الرّؤيا وقد امرني ان احضر إلى جنابك رسالة الإنصافيّة وهي هذه فأعطاها الفاضل فلمّا نظر فيها وجدها مستقرّا على الطّريقة الحقّة المحقّة تابعا للشّريعة الغرّاء والملّة البيضاء فترحّم عليه ثمّ ترك الطّعن عليه ويشهد بصدق هذه القصّة اعتذار المحقّق الطّوسى في اوّل شرح الإشارات بمثل ما اعتذر به الفيض مع انّ الكتاب مشتمل على مطالب كثيرة ومقاصد وفيرة لا تنطبق على الظّواهر الشّرعيّة كما يظهر للمتامّل فيه من أهل فنّ الفلسفة ثمّ انّ كلّ ما ذكرناه في القول يجرى في المكتوب في الكتب بعد تحقّق النّسبة قوله والظّاهر عدم الخلاف في ذلك اه أقول فما ذهب اليه شيخ الحدائق على ما حكى عنه من التّعميم واختاره كاشف الغطاء ره بناء على أصله محفوف بالإجماع قوله وخصوص قوله عليه السّلم اه أقول هذا الخبر مروىّ في الكافي بطريقين كلاهما حسن ومضمونه انّ إسماعيل ابن الإمام الصّادق عليه السّلم كان له بضاعة فأراد ان يعطيها رجلا مضاربة فاستشار أباه عليه السّلم في ذلك فمنعه عنه من جهة ذكر النّاس ذلك الرّجل بالسوء وشرب الخمر فعصى إسماعيل إياه عليه السّلم وأعطاه البضاعة فما مضت مدّة الّا وقد ضاعت بضاعته عند الرّجل فحج أبو عبد اللّه عليه السّلم مع إسماعيل فرآه مبتهلا إلى اللّه تعالى في بيته الحرام يدعو اللّه ويطلب منه الأجر في ضياع متاعه فقال عليه السّلم له ليس لك من الاجر شيء لأنّك سمعت انّه فاسق فإذا شهد عندك المسلمون فصدقهم الخبر وقد مرّ نقله سابقا وتقريب الاستدلال به ظاهر والجواب عنه انّ لفظ المسلمون جمع محلّى باللّام فيفيد العموم ولا ريب في وجوب قبول شهادة جميع المسلمين لإفادتها القطع ولا يلزم منه قبول شهادة البعض ولو سلّم عدم إرادة العموم الحقيقي لاستحالته عادة فلا اقلّ من إرادة الاستغراق العرفي وهو الاستغراق الجمعي هنا فيكون الرّواية حينئذ دالّة على حجّية خبر المستفيض فلا تدلّ على حجّيّة خبر الواحد وفيه انّ استعمال الجمع المحلى في جنس الأفراد في غاية الكثرة كما في قوله تعالى
إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ *
وقوله تعالى
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ
إلى غير ذلك فاقرب المجازات هو جنس الفرد لا جنس الجمع وقد يجاب عنه أيضا بانّ غاية ما يفيده وجوب التّصديق وهو يشمل مجرّد عدم إساءة الظّنّ الحاصل بالتّوقّف أيضا واعتقاد صدق المخبر بحسب اعتقاده فلا يختص بالمعنى المطلوب في المقام فالخبر مجمل لا يمكن الاحتجاج به على انّه لو أريد به ذلك لزم تفيد الخبر بمورده لعدم ثبوت شرب الخمر بشهادة الواحد اجماعا وهو موجب لسقوط الخبر عن درجة الاعتبار قوله وغير ذلك ممّا ذكرناه اه أقول من الآيات والأخبار مثل قوله تعالى
يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ
والأخبار الواردة في ذيله قوله لجملة ما ذكرناه في اخبار الآحاد اه أقول مثل مفهوم آية النبأ وما ورد من انّ المؤمن وحده حجّة والأصل المقرّر بانّ ملكة العدالة تعصم صاحبها عن الكذب وغيره من المعاصي والمانع المحتمل مندفع بالأصل إلى غير ذلك ممّا مرّ مع تضعيفه قوله من انّ الأصل في الخبر كونه كاشفا اه أقول حاصله انّ حجّيّة الخبر مطابقة للاعتقاد والواقع والمطابقة للاعتقاد ثبتت في المسألة السّابقة ويثبت المطابقة للواقع باصالة صحّة الاعتقاد فيلزم ما ذكر قوله ويترتّب على ما ذكرنا اه أقول فيمكن ان يكون اخبارا عن الواقع فيكون من باب الرّواية أو عن الاعتقاد فيكون من باب الشّهادة

[ المقام الثاني في بيان تعارض الاستصحاب مع القرعة ]

قوله وتفصيل القول فيها يحتاج إلى بسط اه أقول ونحن وان ضاق الوقت علينا الّا انّا نتكلّم فيها بقدر ما يسعه الوقت مضافا إلى ما أسلفناه فنقول لا كلام في مشروعيّة القرعة في الجملة ويدلّ عليها ضروب من الأدلّة الاوّل قوله تعالى في أحوال يونس ع
فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ
وقد ورد الاحتجاج به في الاخبار على مشروعيّتها في هذه الأمّة والثّانى الأخبار القريبة من التّواتر بل هي على حدّ التّواتر على ما ادّعاه الفاضل النّراقى ره منها رواية محمّد بن حكيم المروىّ في الفقيه والتّهذيب عن الكاظم عليه السّلم كلّ مجهول ففيه القرعة قلت له انّ القرعة تخطى وتصيب فقال كلّ ما حكم اللّه به فليس بمخطئ ومنها المرسل في الفقيه ما تقارع قوم فوضوا امرهم إلى اللّه الّا خرج سهم المحقّ ومنها الخبر المعروف من انّ القرعة لكلّ امر مشكل أو لكلّ امر مشتبه وان انكر ورود خبر بهذا اللّفظ ثاني الشّهيدين ولعلّ ذلك من طرق العامّة كما صرّح به بعض الأفاضل والثّالث الاجماعات المنقولة على لسان غير واحد من الأصحاب فعن الشّيخ في تداعى الرّجلين في ولد من مقتضيات مذهبنا وعنه في الخلاف الإجماع ظاهرا على انّ كلّ مجهول فيه القرعة وفي قواعد الشّهيد ره ثبت عندنا قولهم كلّ امر مجهول فيه القرعة بل الإجماع المحصّل كما يظهر من التّتبع في كلماتهم في الموارد الفقهيّة والمراد من المشتبه والمشكل والمجهول واحد ومعناها كون الشيء مشتبها لا سبيل إلى رفع الاشتباه فيه بطريق معتبر شرعا فإن كان له سبيل كذلك لم يكن منها ثمّ انّ المشتبهات الّتى لها مدخل في الحكم الشّرعى أمور أحدها شبهة الحكم الشّرعى بمعنى ان يكون هناك شيء لم يعلم حكمه من الشّرع كتابا أو سنّة عموما أو خصوصا ولا من العقل ولا قام عليه الإجماع تكليفيّا كان الحكم أو وضعيّا وثانيها شبهة الموضوع المستنبط من اللّغة والعرف الحاصلة في معنى اللّفظ وثالثها شبهة الموضوع الصّرف بمعنى ان يقع الاشتباه في انّ هذا الفرد المشخّص الموجود في الخارج مندرج تحت كلّى معلوم الحكم أولا ولا ريب في انّ شبهة الحكم ليست داخلة في مورد القرعة ولا يشملها المشكل والمشتبه والمجهول المذكورة في ادلّتها إذ لا اشكال في الأحكام بعد ملاحظة ادلّتها الأوّليّة والثّانويّة اعني بها الأصول الشّرعيّة المقرّرة لموارد الاشتباه فكلّ مشتبه الحكم يدخل في عنوان اصالة البراءة أو اصالة الإباحة والاستصحاب أو في قاعدة الاحتياط عند القائل به ولا فرق في ذلك بين الأحكام التّكليفيّة والوضعيّة لاندراج الثّانية أيضا تحت عنوان اصالة الفساد أو اصالة الصّحّة أو اصالة العدم أو قاعدة الاشتغال ومن هنا قال الشّهيد ره في القواعد ولا يستعمل في الفتاوى والأحكام المشتبهة اجماعا والقول بأنها واصالة البراءة من واد واحد لأخذ الجهل في موضوع كلّ منهما فلا وجه لتقديم البراءة عليها والحكم
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 368 | السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي