حكموا باصالة البراءة عن الدّين ورتّبوا عليها وجوب الحجّ فانّهم قدّموا الأصل في الملزومات المذكورة ورتّبوا عليها لوازمها الشّرعيّة كطهارة القليل الملاقى للكرّ بملاقاته وجواز التّوضى منه وكوجوب النّفقة ووجوب الحجّ مع انّ الاستصحاب يقتضى عدم تلك اللّوازم وليس هذا الّا لبنائهم على تقديم المزيل على المزال فانّ الشّكّ في اللّازم انّما ينشأ من الشّكّ في الملزوم كما لا يخفى قوله ونحو ذلك اه أقول مثل حكمهم بنجاسة الغسالة مع عدم تفصيلهم بين كونها من معلوم النّجاسة كالثّوب المغسول المشكوك في حصول الطّهارة له مع انّ الماء الملاقى للمستصحب النّجاسة كان مسبوقا بالطّهارة قوله فيلزم من اهمال الاستصحاب أقول وبعبارة أخرى أوضح يلزم على الاوّل التّخصيص في ادلّة الاستصحاب والاخراج الحكمي بلا دليل إذ الحاصل من ملاحظة ذلك الاستصحاب مع ادلّة الاستصحاب والجمع بينهما حينئذ انّه يجب العمل بالاستصحاب الّا في ما إذا كان مزيلا بخلاف الثّانى فإنه يلزم منه التّخصّص والإخراج الموضوعي إذ الحاصل حينئذ انّ في صورة اجتماع اليقين السّابق والشّكّ اللّاحق في شيء يجرى الاستصحاب ويكون موردا له الّا إذا جرى الاستصحاب في المزيل فانّه لا يبقى مورد بالنّسبة إلى المزال لعدم وجود الشّكّ الّذى هو من مقوّمات مجرى الاستصحاب قوله ومن هنا يظهر فساد ما يتوهّم اه أقول مضافا إلى انّ هذا التّوهّم لا يتّجه الّا على القول باعتبار الأصول المثبتة كما عرفت قوله ويدفع بانّ فرديّة أحد الشّيئين اه أقول بهذا التّحقيق اللّائق للتّصديق وهذا البيان القابل للإيقان والإذعان يندفع ما قد يتخيّل من التّدافع بين ما قرّره المص الأستاذ ره هاهنا وما ذكره في مباحث حجّية الظّنّ في رد صاحب هداية المسترشدين حيث ذهب إلى انّه يقدم الظّنّ المانع إذا عارضه الظّنّ الممنوع كما إذا قامت الشّهرة على عدم اعتبار الشّهرة نظرا إلى انّه بعد ثبوت حجّيّة الاوّل بدليل الانسداد لا يبقى مورد للثّانى من انّ ذلك انّما يتمّ لو كان اثباته لحجّيّة الأوّل متقدّما على اثباته لحجّية الثّانى وليس كذلك لشموله لاقسام الظّنّ على وجه سواء وليس بينها ترتيب في الاندراج تحته ووجه التّدافع ظاهر إذ يجرى ما ذكره هناك في هذا المقام حرفا بحرف توضيح الاندفاع وضوح الفرق بين الأحكام الفعليّة المستفادة من الأدلّة العقليّة كدليل الانسداد وبين الاحكام الشّرعيّة كالحكم بحجّيّة الاستصحاب فانّ ملاحظة التّرتيب ممكنة في الجعليّات لكون ملاكها الجعل دون العقليّات فانّ العقل عند حكمه بشيء انّما يحكم به على نحو الكلّية من غير نظر إلى الجزئيّات لما قرّر في محلّه انّه مدرك للكلّيّات بالقاء الخصوصيّات والغاء الاعتبارات فلا يحكم على وجه التّرتيب مع انّ خروج الممنوع لو تمّ هناك فعلى وجه الحكومة وخروج الاستصحاب في الشّكّ المسبّبى عن تحت ادلّته على وجه التّخصّص لظهور ترتّبه على الاستصحاب السّببى فمع فرض شمول الأدلّة للسّببى لا يتحقّق المسبّبى حتّى يدّعى الاندراج ويحتاج إلى الإخراج قوله وان شئت قلت اه أقول وان شئت قلت انّ الحكم الشّرعى كحرمة نقض اليقين بالشّكّ المستفادة من الأخبار محمول لموضوع وهو الشّيء المحفوف باليقين والشّكّ ولا بدّ من تقدّم الموضوع فبعد الحكم في الاستصحاب المزيل بابقاء اليقين وعدم الاعتناء بالشّكّ يرتفع الشّكّ في المزال فلا يبقى موضوع ولا حكم وبالجملة التّرتيب بينهما طبعىّ لا اعتبارىّ فلو لوحظ الشّكّ المسبّبى أو لا واجرى فيه الاستصحاب كان تقدّمه في قوّة التّأخر ولا يتفاوت الحال بملاحظته مقدّما أو مؤخّرا كما في الاعتباريّات مثل ما ذكره الرّياضيّون من الحكماء بعد تعريف الجسم بانّه القابل للأبعاد الثّلاثة وبيان معنى الأبعاد انّ في الجسم المربّع يرتفع الاشتباه بين الطّول والعرض من جهة مساواتهما بالتّقديم والتّأخير فالّذى يفرض ويلاحظ أو لا هو الطّول وللآخر هو العرض قوله وتلك الآثار ان كانت موجودة اه أقول ملخّصه انّ الغرض ترتيب الأحكام والآثار وهي ان كانت موجودة في السّابق لم يحتج في اثباتها إلى استصحاب المستصحب بل يستصحب نفس تلك الأحكام وان لم تكن موجودة فيستصحب عدمها بناء على هذا التّقدير فلا ترتّب على المستصحب فلا يبقى فيه فائدة ففي المثال المذكور لو أريد استصحاب طهارة الماء لترتّب الآثار السّابقة كجواز التّطهير من الحدث والخبث منه ونحوه من الأحكام السّابقة لم يحتج اليه فيه وان أريد اثبات طهارة الثّوب المغسول به فالمفروض عدم ترتيبه عليه على هذا التّقدير قوله لغى الاستصحاب في الملزوم اه أقول يمكن تصوير الفائدة فيما إذا عارض استصحاب عدم اللّازم استصحاب آخر كما في
استصحاب حيوة الغائب ليرث من مورثه فان استصحاب عدم انتقال مال مورثه اليه معارض باستصحاب عدم انتقاله إلى الوارث الآخر فيتساقطان ويفيد استصحاب الحياة انتقال المال إلى الغائب ولكنّه لقلّة مورده لا يوجب الخروج عن اللّغويّة قوله قبيح بل أقبح اه أقول ومنه يظهر سقوط الإيراد بان تقديم المزيل على المزال في الأخبار انّما هو في موارد خاصّة فلا يثبت المدّعى وهو عموم الحكم ثمّ انّ وجه الأقبحيّة من التّرجيح بلا مرجّح انّه مجرّد فعل قبيح وهذا في مقام اثبات امرا وانّ ذلك ترجيح لا بسبب المرجّح وهذا ترجيح بسبب غير المرجّح والفرق بينهما ظاهر قوله ثمّ انّه يظهر الخلاف اه أقول كان بنائهم على الرّجوع إلى المرجّحات الخارجيّة إذ ليس المزيليّة مناطا للتّقديم عندهم فإذا وجد المرجّح عمل بمقتضاه والّا فالتّخيير كما في تعارض الأدلّة الاجتهاديّة ولا يخفى فساد ذلك بيانه انّ المرجّح لأحدهما لا يخلو امّا ان يكون من الادلّة الاجتهاديّة النّاظرة إلى الواقع كالشّهرة والإجماع المنقول أو من الأصول وعلى الأوّل فامّا ان يكون التّرجيح بالنّسبة إلى مؤدّى الاستصحاب أو بالنّسبة إلى نفسه فعلى الأول كما في مسئلة ملاقاة الشّيء الطّاهر بالماء الزّائل تغيّره من قبل نفسه حيث يترجح فيها استصحاب نجاسة الماء بالشّهرة فلا يمكن التّرجيح إذ ليس مورد المرجّح والمترجّح واحدا إذ الأوّل ناظر إلى مرحلة الواقع والثّانى ناظر إلى مرحلة الظّاهر مع انّ ذلك المرجّح لو كان حجّة في نفسه فهو المرجع بل يزول به الأصل والّا فلا دليل على صلاحيّته للتّرجيح ومرجّحيّة الشّهرة ولو على القول بعدم حجّيته في تعارض الخبرين انّما هي للأخبار العلاجيّة وكذا على الثّانى كما إذا قام الشّهرة على عدم حجّيّة الأصل المزيل أو المثبت وكذا على الثّانى من الاحتمالين الأوّلين وهو كون المرجّح من الأصول لأنّ ذلك المرجّح ان كان أعلى مرتبة من المرجّح لأحد الموازين المذكورة كقلّة الشّكّ المأخوذ فيه فهو الدّليل المعمول به وليس مرجّحا وان كان أدنى مرتبة فهو المرجع بعد تساقط الاستصحابين بالتّعارض
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 373
مساهمون: السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي
ص٣٧٣