بخروج مجراها عن موارد القرعة مردود من وجوه مذكورة في محالها وناهيك منها ما أشار اليه شيخنا المص ره من عموم ادلّة القرعة وخصوص ادلّة الأصل فتخصّص الأولى بالثّانية وكذا لا ريب في انّ شبهة الموضوع المستنبط أيضا ليست داخلة فيه لانّ لمعرفتها طرقا خاصّة مقرّرة من الرّجوع إلى اللّغة والعرف والأمارات وفي مقام التّعارض إلى التّراجيح المقرّرة وامّا شبهة الموضوع الصّرف فلها صور إحداها ما يكون من مجارى الأصول الشّرعيّة كما ذكره الأصحاب الأخيار ودلّت عليه الأخبار كالشّبهة المحصورة الّتى يبنى فيها على البراءة أو الاشتغال والغير المحصورة الّتى يبنى فيها على البراءة وقد تقدّم الكلام فيهما وهذه أيضا خارجة عن موردها لوجود الأصل وثانيتها ما لا يكون كذلك وقام الدّليل فيها على اخذ أحد الطّرفين كما في ائمّة الجماعة والسّابق في المرافعة والاستفتاء وهذه الصّورة أيضا خارجة عنه لثبوت الدّليل على الأخذ بأحد الطّرفين أو الأطراف الرّافع للأشكال والاشتباه وثالثتها ما لا يكون فيه دليل قائم على ذلك حتّى يتّضح به الأمر سواء لم يرد في أصل الشّرع فيه ترجيح وبيان أو ورد وفقد في الواقعة الخاصّة وهذه هي مورد القرعة ومجراها وممّا حقّقناه ظهر لك انّ دليل القرعة ممّا لم يرد عليه تخصيص في مقام من المقامات والمقامات الخارجة خارجة عن موضوع المشكل فليس الإخراج من باب التّخصيص كما اختاره المص ره وجماعة ولا من باب التّخصّص مط كما توهّمه بعضهم لعدم ارتفاع الموضوع حقيقة حتّى في مجارى الأصول بل يكون تارة من باب التّخصّص وأخرى من باب الحكومة كما لا يخفى قوله فلا بدّ من تخصيصها بها اه أقول قد يقال في تسديد القول بكون ذلك من باب التّخصيص انّ القرعة عامّة لجريانها مع الحالة السّابقة وبدونها وعامّة أيضا من جهة كونها للتّميز والتّشخيص تارة كما إذا استعملت في مقام تميز الحلال المختلط بالحرام أو بالعكس وللتّرجيح أخرى كما إذا استعملت في مقام تشاحّ الأئمة والمستبقين إلى مكان واحد دفعة وذلك انّما يكون فيما إذا كان كلّ من طرفي الشّبهة أو أطرافها حجّة فالقرعة انّما لترجيح احدى الحجتين على الأخرى لا لتميّز الحجّة عن غيرها والاستصحاب يختصّ بصورة التّرجيح لترجيحه أحد طرفي الشّكّ وهو ما يكون له حالة سابقة فيخص ادلّتها العامّة بادلّته الخاصّة وقد يجرى التّقرير الثّانى في مقام النّسبة بينها وبين اصالة البراءة أيضا مضافا إلى شمولها لغير الأحكام الإلزاميّة أيضا واختصاص البراءة بالإلزاميّات ويظهر ضعف ذلك التّسديد سيّما الوجه الثّانى منه فانّ التّحقيق انّ القرعة مختصّة بالتّميز كاختصاص الاستصحاب والبراءة بالتّرجيح إذ لا تستعمل في موضع الّا وتميز أحد الطّرفين فطرفا الشّبهة في الأمثلة المذكورة وان كانا متساويين بحسب ظاهر الشّرع لكنّ المطابق للواقع ونفس الأمر هو الّذى أخرجته القرعة لا الآخر نظير الاستخارة وبذلك يشعر ادلّتها كما يظهر عند التّامّل فيها وقد يقال في مقام تسديد عدم كونه من باب التّخصيص انّ مورده العامّ والخاصّ المطلقان والنّسبة بين ادلّة القرعة وادلّة كلّ من الاستصحاب والبراءة عموم من وجه من جهة جريانها في كلّ من الأحكام والموضوعات واختصاص الأوّل بالثّانية اجماعا وربّما يورد عليه بانّ المناط في تشخيص النّسب هو ملاحظة نفس الشّيئين مع قطع النّظر عن الخارج ولا شكّ انّ ادلّة القرعة أيضا بظاهرها عامّة شاملة للأحكام أيضا وفيه نظر يظهر ممّا ذكرناه واما يقال في المقام من انّ القرعة من الأمارات والأدلّة الاجتهاديّة النّاظرة إلى الواقع والاستصحاب من الأصول المجعولة في المقام الظّاهر فالنّسبة بينهما نسبة التّباين لا العموم والخصوص فليس بسديد إذ لو سلّم ذلك فلا يمنع من كون النّسبة نسبة العموم والخصوص لانّ مؤدّى ادلّة القرعة بناء على ذلك هو تحصيل الواقع سواء وجدت الحالة السّابقة أم لا ومؤدّى ادلّة الاستصحاب انّه لا يجب عند وجود الحالة السّابقة تحصيل الواقع بل يكفى اخذ الحالة السّابقة في مقام العمل بالاستصحاب الّذى هو خاصّ بالنّسبة إليها فان قيل لو كان كذلك لاختصّ تقدّم الاستصحاب بصورة عدم استعمال القرعة إذ مع استعمالها لا معنى لترك الواقع إلى الظّاهر مع انّه مقدّم عليها مط قلت مقتضى القواعد هو ما ذكر الّا انّا نثبت تقديم الاستصحاب مط بالاجماع المركّب وعدم القول بالفصل بين الصّورتين فتامّل قوله لكن ذكر في محلّه اه أقول وذلك لأنّ ادلّة القرعة كنظائرها مثل ادلّة نفى الضّرر وردت
عليها تخصيصات كثيرة لا يعلم مقدارها فهي مجملة بالنّسبة إلى الخارج والباقي وليس له ظهور في الباقي بل ربّما يدّعى انّ الخارج عنها أكثر من الباقي والتّخصيص بالأكثر الصّنفى جائز عندهم كما ذكره بعضهم في قوله تعالى
لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ
مع ملاحظة قوله تعالى حكاية عن إبليس لأغوينّهم أجمعين الّا عبادك منهم المخلصين فلا يعمل بالقرعة الّا بجابر لوهنها وهو عمل الأصحاب ومن هنا اقتصر الأصحاب على اجرائها في موارد خاصّة مثل مسئلة التّشاح في ائمّة الجماعة مع عدم المرجّح ومسئلة قصور المال عن الحجّتين الاسلاميّة والنّذريّة ومسئلة اشتباه الموتى في الجهاد ومسئلة تزاحم الطّلبة عند المدرس والمستفتيان والمترافعين عند المجتهد مع عدم السّابق والتّزاحم على المباح والمشترك كمعدن ورباط مع عدم قبول القسمة ومسئلة المأذونين في شراء كلّ منهما صاحبه ومسئلة تلف واحد من دراهم أحدها لواحد والباقي للآخر وديعة ومسئلة تنازع صاحب العلوّ والسّفل في السّقف المتوسّط وفي الخزانة تحت الدّرج ومسئلة الوصيّة بالمشترك اللّفظى وبالثّلث من البعيد أو العدد المبهم والوصيّة بما لا يسعه الثّلث مع العلم بالتّرتيب والشّكّ في السّابق أو مع الشّكّ في السّبق والاقتران وفي مسئلة ابتداء قسمة الزّوجات ومسئلة عوز النفقة على المنفق عليهم ومسئلة اخراج المطلقة ومسئلة اخراج المنذور عتقه بقوله أول ما تلده فولدت جماعة ومسئلة التداعى في الالتقاط ومسئلة تعدّد السّيف والمصحف في الحبوة ومسئلة ميراث الخامسة مع المشتبهة بالمطلقة وميراث الخنثى والممسوح وغير ذلك ممّا يجده المتتبّع في أبواب الفقه
[ المقام الثّالث في تعارض الاستصحاب مع ما عداه من الأصول العملية ]
قوله المقام الثّالث في تعارض الاستصحاب اه أقول ربّما يحصل للمبتدى بل للماهر المنتهى الاشتباه بين قاعدة البراءة واستصحابها والاختلاط في احكامهما وكذا قاعدة الاشتغال واستصحابها فينبغي ان نتعرّض لبيان كلّ منها وبيان احكامه فنقول لا خفاء في الفرق بحسب المفهوم فانّ مفهوم قاعدة البراءة هو انّه لا عقاب عند عدم العلم بالتّكليف من غير نظر إلى الحالة السّابقة ومفهوم قاعدة الاشتغال انّه يجب عند العلم بثبوت التّكليف