من التّحقيق وبه يظهر انّ القاء الأحكام الموافقة للشّريعة السّابقة أو المخالفة لها إلى النّبىّ صلّى اللّه عليه وآله انّما هو بالإلهام أو الوحي أو بواسطة الملك بل على هذا يتمّ المقصود لو بنينا على متابعته لشريعة غيره فت وان أريد استصحاب الأمّة ايّاها فالامر أوضح قوله ومنها ما ذكره في القوانين اه أقول توضيح مرامه زيد في اكرامه انّه لو بنى على انّ الاحكام الشّرعيّة ناشية عن المصالح والمفاسد الذّاتيّة أمكن استصحاب احكام الشّريعة السّابقة في الشّريعة اللّاحقة لوجودهما من جهة ذاتيّتهما المقتضية لعدم الاختلاف والتّخلّف فيها في كلتا الشّريعتين وامّا لو بنى على انّها ناشية عن المصالح والمفاسد الاعتباريّة وانّها تختلف بالوجوه والاعتبار فلا لجواز اختلافها باختلاف الأزمنة والأشخاص إذ لا مانع من اختلاف الوجوه الاعتباريّة وتخلّفها وحيث ثبت بطلان المبنى الأوّل لاستلزامه عدم جواز النّسخ الضّرورى البطلان فلا بدّ من القول بعدم جريان الاستصحاب لما مرّ وأنت خبير بانّ البناء على هذا المبنى ممّا ليس له عين ولا اثر في كلام المثبتين والنّافين وادلّتهما وكيف يستنبط مبنى مسئلة ليس لها عنوان شايع وبحث ذائع قوله وفيه انّه ان أريد اه أقول لو تمّ هذا البيان لاقتضى هدم هذا البناء وطرح بناء معكوس لانّه البنيان المرصوص لابتنائه على الأعمدة والأسوس إذ الاستصحاب لا بدّ في تحقّق مجراه من الشّك اللّاحق وهو منتف على القول بالذّاتيّة الّتى ينافيها النّسخ لحصول القطع ببقاء الحكم حينئذ وموجود على القول بالاعتباريّة وهدم العكس في أحد طرفيه وهو تحقّق المجرى على القول الثّانى بانّه من قبيل الشّكّ في المقتضى فلا يجرى الاستصحاب واضح الانهدام الّا انّ لمانع ان يمنع عدم جواز النّسخ على القول بالذّاتيّة ومنافاته لها لاحتمال مصلحة زائدة أو متساوية لمصلحة المنسوخ في النّاسخ كما ذكره بعضهم في مسئلة اجتماع الأمر والنّهى ومن هنا يظهر فساد ما ربّما يتراءى في بادي النّظر من انّ في كلمات الأصوليّين تناقضا واضحا حيث يعدّون في مسئلة النّسخ النّافى له يهوديّا ولازمه عدم كون الحسن والقبح ذاتيّا وفي مقامات أخر مثل مسئلة اجتماع الأمر والنّهى يصرّحون بذاتيّتهما فتامّل قوله منها اثبات وجوب نيّة الإخلاص اه أقول حاصل الثّمرة انّه على القول بجريان الاستصحاب يثبت في شريعتنا قاعدة كلّيّة هي انّ الأصل في الأوامر الشّرعية أن تكون تعبّديّة لا بدّ فيها من نيّة القربة وقصد الإخلاص وتقريب الاستدلال انّ معنى الآية انّ أهل الكتاب ما أمروا بشيء لأجل شيء من الأغراض الّا لغرض الإخلاص له تعالى على وجه يكون عدم تحقّق الامتثال حيثما لم يتحقّق لأجل عدم تحقّق الغرض المذكور وهذا مبنىّ على ما هو الظّاهر من كون اللّام للغاية كما في قوله تعالى
وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ
الآية وقوله تعالى
فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا
الآية لا للتّقوية بان يكون المعنى ما امر وبعبادة شيء الّا بعبادة اللّه مخلصين عبادتهم عن الشّرك اى ما أمروا الّا بالتّوحيد كما في قوله تعالى
وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ
وان كان عطف قوله تعالى
وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ
الخ يؤيّد الثّانى إذ لا معنى لكون إقامة الصّلاة وإيتاء الزّكاة غاية للأمر بالصّوم والحجّ وغيرهما من العبادات وان حملت اللّام في المعطوف عليه على الغاية وفي المعطوف على التّقوية لزم استعمال اللّفظ في أكثر من معنى واحد وقد فسّر الآية البيضاوي والنّيسابورى والبهائي في أربعينه والطّبرسى والطّريحي في كتابيهما مجمع البيان ومجمع البحرين وصاحب الصّافى بما يوافق الثّانى وممّا يبعد حمل اللّام على الغاية لزوم تخصيص الأكثر بناء عليه لوضوح قلّة الواجبات التّعبّديّة بالنّسبة إلى التّوصلية ثمّ انّ صاحبي الفصول والضّوابط تمسّكا في المقصود بذيل الآية اعني قوله تعالى
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ *
وتقريب الاستدلال على ما ذكره الأوّل انّ المراد من الدّين هو العقائد والعبادات جميعا وقد نقل هذا المعنى له عن العلّامة ره فيدلّ على قصد الخلوص فيه وهو معنى القربة وعلى ما ذكره الثّانى انّ المراد منه هو القصد وقد ادّعى اجماع أهل التّفسير على هذا المعنى فيكون المعنى مخلصين له القصد ويردهما انّ الدّين لم يأت بشيء من المعنيين قوله ويرد عليه بعد الإغماض اه أقول وبعد الإغماض عن عدم دلالة الآية على المدّعى لو حمل اللّام على الغاية وأريد معنى وجوب الاخلاص أيضا من جهة انّه لا يلزم من كون شيء غاية لشيء
آخر قصده وذلك كاستباحة الصّلاة الّتى هي غاية للوضوء مع عدم وجوب قصدها عنده الّا ان يقال انّ منع وجوب القصد لا ينافي ثبوت ما يكون بصدد اثباته المستدلّ من كون الأصل في الواجبات هو التّعبّدية كما لا يخفى مع امكان الفرق بين المقيس والمقيس عليه بعد تسليم مدّعاه في المقيس عليه بانّ الثّانى غاية للفعل من دون مدخليّة له في عمل المكلّف بل هو شيء يترتّب عليه في الخارج بخلاف الأوّل فانّه لا يحصل الّا بقصد المكلّف ايّاه الّا انّ في ثبوت هذا الفرق تامّلا نعم يرد على المستدلّ انّ مدّعاه اثبات التّعبّديّة المقتضية لكونه وجوب نيّة القربة غيريا لأجل تحصيل صحّة العبادة ولا تدلّ الآية بعد تماميّة دلالتها الا على وجوبها المطلق فافهم قوله كما أوضحنا ذلك اه أقول ان كان ما أوضحه ره هو مجرّد عدم دلالة الآية على وجوب الإخلاص فلا كلام لما ذكرناه من الاحتمال الموجب لسقوط الاستدلال وان كان عدم اعتبار الإخلاص ونيّة القربة في العبادة فالقدر الّذى يمكن منع اعتباره هو قصد تحصيل القرب إلى اللّه الّذى هو ضدّ البعد المستعار من القرب المكاني فقد نسب الشّهيد ره في القواعد إلى الأصحاب القطع ببطلانه بل نقل عليه الإجماع لمنافاته الحقيقة العبوديّة بل هو بالمعاوضات أشبه وامّا الاخلاص والقربة بمعنى قصد الامتثال وموافقة الإرادة والطّاعة فمنع اعتباره مشكل ولا يحضرني كتابه ره في الفقه لأنظر فيه قوله مع انّه يكفى في ثبوت الحكم اه أقول يرد عليه انّه لو تمّ دلالته لدل على ثبوت الحكم في شريعتنا بالنّسبة إلى الأحكام المعلوم ثبوتها في الشّريعة السّابقة دون ما علم عدم ثبوتها فيها أو شكّ فيه ومن هنا يظهر ضعف التّمسّك بالاستصحاب أيضا قوله بناء على تفسيرها بالثّابتة اه أقول لفظ القيمة في الآية صفة لموصوف محذوف اى دين الملة القيمة وهي امّا من القوام فمعناها المعتدلة المستقيمة الّتى لا عوج فيها كما في قوله تعالى
فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ
وقوله تعالى
وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً
قَيِّماً لِيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً
الآية على احتمال وامّا من القيام ومعناها الثّابتة الباقية أو المستمرّة على نهج الصّواب كما في الجواهر قوله مع انّه لا يثبت الشّرع اه أقول وما في التّفاسير والسّير من قصد يوسف بذلك الحيلة لابقاء أخيه عنده مع عدم دلالتها على هذا الأمر بخصوصه لا يثبت المدّعى من جواز الجهالة في الجعالة الشّرعية لأنّه مؤيّد