للتّخصيص وعلى الثّانى تكون من القواعد الغير القابلة له والتّحقيق هو الاوّل الذي يدلّ عليه الكتاب والسّنّة المتظافرة ويستفاد منها مع صراحة بعضها انّ المناط هو العسر والحرج بالنّسبة إلى أكثر موارده وأغلب افراده فيرتفع التّكليف حينئذ عن الموارد الّتى لا يلزم منه العسر والحرج فيها بل يحكم العقل الصّريح بذلك لانّ إناطة الحكم بصورة تحقّق العسر والحرج تؤدّى إلى العسر والحرج ألا ترى انّه لو حصل الرّخصة لنا من الشّارع في الأكل والشّرب ونحوهما بمقدار ما يندفع به الحرج لأدى إلى الحرج وهذا نظير ما مرّ في مسئلة الاحتياط من انّ تشخيص موارده يوجب الحرج بل يؤدّى إلى خلاف الاحتياط أحيانا والسّرّ في ملاحظة غالب افراد النّوع انّ نفى العسر والحرج انّما هو للتّسهيل على العباد كما قال تعالى
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
وهو من المنن العظام والنّعم الجسام بالنّسبة إلى الأنام فهو في مقام الاضطرار والأمور الّتى تدعوا إليها الضّرورة قد تلاحظ فيها حال الشّخص في البقاء والدّوام والانتساق والانتظام وقد يلاحظ فيها بقاء الانتظام الكلّى والنّظام الجملي وحينئذ فلا بدّ من اناطتها على ملاحظة الأوساط الغالبة لعدم ضابط في أحوال الأشخاص الجزئيّة بالنّسبة إلى الأمكنة والأزمنة وغيرها فإذا لوحظ حال الأغلب بالموافقة كان الأليق تغيير الأمر إلى ما يلائم حالهم ومن هذا القبيل ما نحن فيه ومنه مسئلة حجّيّة الظّنّ حيث لوحظ فيه الانسداد الأغلبى وان فرض انفتاح باب العلم بالنّسبة إلى بعض الأشخاص ومنه مسئلة التّقيّة أيضا حيث لوحظ فيه حال ضرر النّوع كما حقّق في محلّه ويدلّ على ما ذكرناه بعض الأخبار الواردة في الموارد الخاصّة المستدلّ فيها بآية نفى الحرج مثل صحيحة الفضيل في الرّجل الجنب يغتسل فينتضح الماء في الإناء فقال ع لا باس وذكر الآية ورواية أبى بصير في الغدير من المطر بتول فيه الصّبى والدّابّة وتروث انّ الدّين ليس بمضيّق وانّ اللّه عزّ وجلّ يقول
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
وحسنة محمّد بن الميس في الماء القليل في الطّريق يريد الجنب ان يغتسل منه ويداه قذرتان قال ع يتوضأ ويغتسل وتلا الآية إلى غير ذلك من الأخبار نعم الاحكام الّتى لا تؤدّى إلى العسر والحرج الّا نادرا يكون نفيها مقصورا على الموارد الّتى يتحقق فيها ذلك ومقدّرا بما يندفع به الضّرورة كأكل الميتة في المخمصة وشرب المتنجّس عند العطش الشديد وما أشبه ذلك فلا يتعدّى إلى غيرها ولا فيها إلى ما يزيد على قدر الضّرورة لانّ إناطة رفع المنع هنا بما يندفع به الحرج ممّا لا حرج فيه لندرة مورده قال جلّ شأنه وقد فصل لكم ما حرّم عليكم الّا ما اضطررتم اليه وقال تعالى
فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ
وممّا حقّقناه يندفع الاعتراض على الاستدلال بما يقرب ممّا اعترض به المص ره من انّ الاجتناب عن غير المحصور ليس عسرا وحرجا في جميع الأزمان بالنّسبة إلى جميع الأشخاص ألا ترى انّ من يزاول الصّحارى المتّسعة يعسر عليه الاجتناب عن جميعه بسبب علمه ببول شخص في مكان غير معيّن منه بخلاف من يجتاز فيها ولا يحتاج إلى ملاقاة شيء منها وقد يتحقّق العسر والحرج في المحصور أيضا في محلّ الحاجة والضّرورة اليه فلا بدّ اذن من بناء الأمر على الدّوران مدار الضّرورة والحرج وعدمهما دون انحصار الشّبهة وعدمه ويندفع الاعتراض الّذى نقلناه آنفا أيضا توضيح الاندفاع انّ عموم لزوم الحرج بملاحظة الغالب قاض بعدم تشريع الحكم فيعم الموارد النّادرة ممّا لا حرج فيها أيضا وليس المقام من قبيل ما لا ينافي تشريع الحكم بل يقضى بالجواز في محلّ الضّرورة كما في اكل الميتة في المخمصة وغيره ممّا يكون الحرج فيه اتّفاقيّا والفرق بين الصّورتين ظاهر ممّا بينّاه فما ذكره المعترض من انّ لزوم العسر والحرج لا يقضى بالحلّ والطّهارة مستشهدا بأكل الميتة كما ترى ولعلّ ما ذكرناه مراد من قال انّ الحرج دافع لا رافع كما نقله في فقه المعالم في مقام ردّ من جعل ميزان لتشخيص غير المحصور عسر الاجتناب اخذا ذلك من استدلال من استدلّ به في عدم وجوب الاجتناب بزعم انّ المراد هو العسر الشّخصى لا النّوعى بالمعنى الّذى بيّناه ثمّ انّ الظّاهر انّ منشأ إناطة نفى العسر والحرج
على الشّخصى منهما لعلّه ملاحظة ورود الاحكام المشتملة عليهما في الشّرع كثيرا كالجهاد مع الكفّار ومجاهدة النّفس في اختيار دين الحقّ الّتى هي الجهاد الأكبر وتمكين النّفس من القصاص والحدّ في موارد وجوب التّمكين منهما إلى غير ذلك من المشاق الّتى يعسر تحمّلها جدّا فلا يتمّ ذلك مع جعل القاعدة قاعدة كلّيّة مطّردة في جميع جزئيّاتها غير مخصّصة في شيء منها دائرة مدار الغلبة لائقة للمنة بها على هذه الأمّة من بين الأمم ولا يخفى ضعفه لما حقّقناه في محلّه من انّها غير مستلزمة للعسر والحرج بالنّسبة إلى الأغلب ولا نطيل الكلام ببيان ذلك في المقام لأنّ الاهتمام بما فيه الاهتمام
[ الثالث الأخبار الدالة على حلية كل ما لم يعلم حرمته ]
قوله الّا انّ مقتضى الجمع بينهما اه أقول ربّما يستشهد لهذا الجمع بما دلّ على عدم جواز التّصرّف في المال المختلط بالحرام المجهول القدر والمالك وعدم حلّيته الّا بعد اخراج خمسه وما دلّ على عدم جواز تصرّف أحد الشّركاء في المال المشترك الّا بعد الاذن من شريكه حيث انّ موردهما من موارد الشّبهة المحصورة ولا يمكن طرحهما ومعارضتهما لأدلّة الحلّيّة ظاهرة فلا بدّ من حمل تلك الأدلّة على الشّبهة الغير المحصورة وفيه ما لا يخفى فانّ اخبار حلّيّة المال المختلط بالحرام باخراج الخمس لا ربط لها بالشّبهة المحصورة كيف ولو كان كذلك لما كان هناك خصوصية للخمس بل كان افراز القدر الّذى يعلم كونه حراما قاضيا بحلّ الباقي فهذا الحكم من جملة الاحكام الشّرعيّة التّعبديّة المخالفة للأصل الثّابتة لقيام الدّليل عليه مع انّ تلك الأخبار لا تدلّ على عدم جواز التّصرّف في المال المختلط قبل اخراج الخمس بل انّما تدلّ على حلّيّته بمعنى ترتيب جميع آثار الملك الطلق عليه ومنها نفى الضّمان بعد اخراج الخمس وانى هذا من المدّعى وما ابعد ما بين هذا الاستشهاد وبين الاستدلال بتلك الأخبار على حلّيّة الشّبهة المحصورة كما صدر عن بعضهم بتقريب انّ الاشتباه لو لم يكن قاضيا بالحلّ لما كان اخراج الخمس كافيا فيه ولا يرد المعارضة بانّه لو كان قاضيا بالحلّ لما احتيج إلى اخراج الخمس لانّ فائدة اخراجه الحكم بحلّيّة الجميع وعدم حصول ضمان في استعماله كما أشرنا والحقّ انّه لا شاهد فيها ولا دليل كما عرفت وامّا الاستشهاد بمسألة الشّركة وما دلّ على عدم جواز التّصرّف بدون اذن الشّريك فاجنبىّ عن المقام ان أريد الشّركة الّتى هي من العقود