الحرمة الثّابتة قبل الاشتباه لما حقّقناه من كفاية العلم الإجمالي في تنجز التّكليف وبه يسقط ما يقال من انّا نمنع حرمته أو نجاسته ما لم نعلم بهما تفصيلا إذ اتّصاف الأعيان بالحلّ والحرمة والطّهارة والنّجاسة انّما يرجع إلى ملاحظة فعل المكلّف وان كانت الحكمة الباعثة كامنة في الأعيان فهي وان كانت بذاتها متّصفة بها من دون تقيّد بالعلم الّا انّ إضافة فعل المكلّف اليهما لا يكون الّا في صورة العلم واستصحاب الطّهارة الأوّليّة في كلّ من الإناءين لا معنى له لما سيأتي في مباحث الاستصحاب انّ محلّه هو الشّيء الّذى يعلم حاله سابقا إلى انّ حصول الشّكّ وهذا المعنى مفقود في المقام لانّ المفروض انّ الحال الاوّل الّذى كان قبل حصول الاشتباه غير معلوم لنا بالنّسبة إلى كلّ واحد منهما ومعرفة الحالة السّابقة عليه غير مفيد بعد تخلّل هذه الفترة والحاصل انه ان أريد بكونه طاهرا في السّابق كونه طاهرا قبل عروض الاشتباه فلا معنى له إذ ليس معلوما انّه طاهر وان أريد به الزّمان السّابق على ذلك فلا معنى لاستصحابه مع انّ المقرّر عندهم كما سيأتي في مباحث الاستصحاب تقديم استصحاب الاشتغال على مثل الاستصحاب المذكور بل هو في الحقيقة وارد عليه مضافا إلى انّ الأصل لو جرى وأثبت الحلّيّة والطّهارة لم يثبت به حرمة الآخر ونجاسته ليرتفع الاشتباه ويحلّ الاوّل على سبيل التّعيين لما حقّق في محلّه انّ البراءة وما يجرى مجريها لا تثبت الموضوع الحلال مثلا غايتها إفادة ترتيب الاحكام الحلال وهو وان استلزم الموضوع الحلال الّا انّها لا تدلّ عليه بل يمكن ترتيب الآثار وان لم يكن في الواقع كذلك ولو سلم فلا يثبت بمجرّد حلّيّة أحد المشتبهين كون الآخر خمرا كما سيأتي اليه الإشارة لبطلان الأصول المثبتة فيبقى الاشتباه بحاله قوله قلت اصالة الحلّ غير جارية اه أقول ملخّص الجواب حكومة قاعدة الاشتغال على اصالة الحلّ ويمكن ان يقرّر الجواب بوجه آخر ذكره بعض من حام حول التّحقيق وهو انّ المفروض في المقام اشتباه الفرد الحلال بالفرد الحرام مع تحقّق الامرين فلو لا وجود الفرد الحرام لم يتحقّق الفرد المذكور غاية الأمر ان يدّعى الحلّيّة من جهة حصول الاشتباه وإذا ثبت حرمة المصداق المفروض تخصّص به عمومات الحل بل كان خارجا عنها للعلم بحصول الحرمة بالنّسبة اليه وحيث انّ الخارج مجهول دائر بين الأمرين كانت القاعدة المذكورة بالنّسبة اليه كالعام المخصّص بالمجمل فلا حجّيّة فيها بالنّسبة إلى مورد الاشتباه فلا دليل حينئذ على حلّيّة شيء منهما فلا يجوز الأقدام فانّ القائل بجواز الاقدام انّما يقول به من جهة اندراجه تحت الأصل المذكور قوله في بعض كتب الفتاوى اه أقول مثل كتاب السّرائر لابن إدريس ره على ما قيل قوله فتامّل حتّى لا تتوهّم انّ استعماله اه أقول لانّ ملخّص المعنى انّ مشكوك الحلّيّة والحرمة لك حلال ظاهرا سواء كان من الشّبهات البدويّة أو المقرونة بالعلم الإجمالي والحلّيّة على البدليّة في الثّانية لا يراد من الحديث بل لازم الحكم بحلّيّة أحد المشتبهين الحكم بحرمة الآخر والّا فدلالة الحديث على الحلّيّة فيهما على نسق واحد وأنت خبير بانّ التّوهّم واقع في موقعه لأنّ الحلّيّة بالنّسبة إلى الشّبهات البدوية مطلقة وبالنّسبة إلى غيرها مقيّدة بمعنى انّه يحكم بالحلّيّة في كلّ واحد مع الحكم بحرمة الآخر والّا فلا لاستلزامه الحكم بحلّيّة الحرام الواقعي المعلوم بينهما والاستعمال في معنيين في هذا المقام ليس باخفى منه في تفسير السّيّد الصّدر للحديث بل الأنصاف انّ دفعه هاهنا أصعب من دفعه ثمّة قوله وامّا لما ذكره بعضهم اه أقول هو الفاضل النّراقى ره ذكره في المناهج قوله فلأنّه ان أريد انّ مجرّد اه أقول الظّاهر انّ المستدلّ لم يرد ذلك بل أراد انّ ارتكاب الحرام حرام ولا شكّ انّ ارتكاب ما عدا مقدار الحرام لا يصدق معه ذلك العنوان إذ هو مجرّد احتمال وانّما يصدق بارتكاب مقدار الحرام فكأنه الجزء الأخير للعلّة التّامّة فبمجرّد ارتكابه يحصل الجزم بالوقوع في الحرام ولو لم يكن في ارتكابه في نفسه أزيد من الاحتمال فارتكابه مقدّمة لتحصيل الارتكاب في نفس الامر للحرام الواقعي فيكون حراما والحاصل انّ ارتكاب الفرد الأخير له جهتان جهة ملاحظته في نفسه وهو ارتكاب للحرام المحتمل وجهة ملاحظته بعنوان انّه الجزء الأخير لعلّه تحصيل ارتكاب الحرام الواقعي وهو من هذه الجهة مقدّمة للحرام الّذى هو تحصيل الارتكاب القطعي للحرام المعلوم ثمّ انّ الجواب الّذى ذكره شيخنا الأستاد ره راجع إلى منع حرمة اللّازم
وقد يجاب عنه أيضا بما يرجع إلى منع الملازمة وهو انّ اشتمال المشتبه على الحرام ممنوع غاية الأمر هو القطع باشتمال المشتبه على مال الغير أو النّجس مثلا وهو غير القطع بتحقّق الحرام كما في التّصرّف في غير المحصور فيصحّ الحكم بعدم اشتمال المشتبه على الحرام في مرحلة الظّاهر مع انّ ما فعله اوّلا لم يكن حراما عنده لاحتمال ان يكون الحرام هو الآخر وكذا ما فعله أخيرا فلم يتحقّق له علم في انّ من الآنات باستعمال الحرام غاية ما في الباب انّه يحصل له باستعمال الجميع العلم بثبوت اشتغال الذّمّة بحقّ الغير أو وجوب تطهير الثّوب أو البدن ونحن لا ننكر ذلك إذ الكلام في الحكم التّكليفى لا الوضعي وضعف هذا الجواب يظهر ممّا تقدّم
[ احتج من جوز ارتكاب ما عدا مقدار الحرام ومنع عنه بوجهين ]
قوله من حيث التّجسّس المنهى عنه اه أقول يعنى انّه ليس من حيث مجرّد التّحصيل العلم بارتكاب الحرام والّا لحرم ان يتجسّس الإنسان عن تحريم ما فعله بحسب الواقع حتّى يعلم حرمته كما إذا تصرّف في شيء ثمّ حصل له الشّكّ في تحريمه أو كان شاكّا فيه من اوّل الأمر على وجه لا يقتضى المنع منه ثمّ استعلم بعد الارتكاب فعلم تحريمه ومن الواضح عدم تحريم ذلك فيبقى حينئذ سؤال الفرق بين هذا وما نحن فيه فان قيل الفرق انّه لا تحريم هناك حال التّعرّض وانّما يستكشف تحريم ما فعله سابقا حال العلم لا حين ما اتى به ليكون محرّما بخلاف مسئلة المشتبهين للعلم الإجمالي فيحصل باستعمالهما العلم بارتكاب الحرام قلت لا يحصل الفرق بذلك لحصول الحرمة الواقعيّة في كلا المقامين وعدم حصول الحرمة الظّاهريّة في شيء منهما إذ المفروض كون الجهل قاضيا بجواز الأقدام قوله بل العلماء كما حكى على وجوب المقدّمة اه أقول حكى عن الفاضل التّونى في الوافية انّه نفى الخلاف عنه وان كان في تحقّق ذلك والفرق بينها وبين المقدّمة السّببيّة كلام بين المحقّقين قوله انّه ان أريد بحرمة المخالفة اه أقول مضافا إلى ما يقال من انّه لا فرق بين اقسام المخالفة في الحرمة الّا في الشّدّة والضّعف فان قيل هذا مسلّم بالنّسبة إلى اقسام المخالفة القطعيّة المتعلّقة بالأمور المختلفة وامّا المخالفة الاحتماليّة فلا دليل على حرمتها كيف ولو كانت محرّمة لزم الحكم بحرمة ارتكاب الشّبهات البدوية لوجود المخالفة الاحتماليّة في ارتكابها قلنا مرادنا عدم الفرق بين اقسام المخالفة في الشّبهات المقرونة بالعلم الاجمالي لا مطلق الشّبهات والفرق بينهما ظاهر لظهور الفرق بين احتمال الوقوع في الحرام واحتمال المخالفة والسّرّ في ذلك انّ الإطاعة والمعصية منوطتان بالعلم ولو اجمالا وهو موجودة في الشّبهات المقرونة دون المجرّدة قوله فهذا اعتراف