بخلاف التّوصيف بالوصف المذكور في الخبر للاحتراز عن المذكورات فانّه يلزم استعماله في الإمكان تارة وفي الفعليّة أخرى والمثال المناسب لما نحن فيه هو الاحتراز بالقائم في المثال المذكور عن القاعد اختيارا والقاعد اضطرارا من جهة انّه زمن فالأولى ان يقال في الجواب انّ التّقييد احترازىّ بالنّسبة إلى الأعيان والأفعال الّتى لا يمكن اتّصافها بأحدهما وما ثبت انّه حرام لا حلال فيه وبيانى بالنّسبة إلى ما علم انّه حلال لا حرام فيه فاخراجه ليس للاحتراز عن لحوق الحكم له بل لبيان كون المقصود بالبيان هو مشتبه الحلّيّة والحرمة أو يقال انّ قضيّة وجود الاحتمالين في شيء كونه ممّا يقبل الاتصاف بهما ويمكن تعلّقهما به والّا لم يحتمل كونه معروضا لهما وكونه غير ما علم اتّصافه بأحد الوصفين لعدم اجتماع احتمالهما مع العلم بأحدهما والعجب من بعض المعاصرين حيث أجاب عن الإيراد بعد نفى الجواب الأوّل بان المستدلّ صرّح بانّ المعنى الثّانى راجع إلى المعنى الأوّل ومفادهما شيء واحد غاية الأمر انّ التّعبير مختلف وهو كما ترى وأجيب عن الثّانى بانّه ان أراد بقوله انّ مجهوله حلال انّ الضّمير راجع إلى المجهول المضاف إلى الشّيء المقيّد بالقيد المذكور ففاسد لعدم سبق ذكره وان أراد اضمار المجهول المضاف إلى ضمير الشّيء المذكور فحذف المضاف وابدل الضّمير المجرور بالمرفوع ليقوم مقامه ففاسد أيضا لأنّه اضمار بعيد وأجيب أيضا بانّ ما ذكره انّما يصحّ إذا كان مراد المستدلّ انّ المعنى كلّ شيء فيه حلال وحرام فمجهوله لك حلال وقد صرّح في المعنى الثّانى الّذى هو راجع إلى الاوّل باعتراف المورد انّ المعنى كلّ شيء يحتمل الحلّيّة والحرمة في نظر المكلّف فيكون معنى قوله كلّ شيء فيه حلال وحرام انّ كلّ مجهول الحكم فلم يجعل المجهول وصفا لأمر آخر مخرجا للمذكورات وفيه انه لا يدفع الإيراد نعم يتمّ إذا يضمّ اليه انّه يلزم ان يكون المعنى حينئذ كلّ مجهول الحكم فمجهوله حلال ولا معنى له وأجيب أيضا بانّ المراد من الشّيء في الخبر امّا الشّيء المطلق أو الشّيء المشتبه فإن كان الأوّل فلا حاجة إلى تقدير المجهول وان كان الثّانى فلا بدّ من أن يحترز عن المذكورات لعدم تصوّر الجهالة فيها وقد حصل الاحتراز بالوصف حيث يكشف عن كون المراد من الشّيء هو المشتبه ولا ضير في ذلك لأنّ كلّ قيد احترازىّ فهو يكشف عن كون المراد من المقيّد من اوّل الأمر هو صاحب القيد وليس المقصود اخراجها بضمير هو حتّى يرد عليه ما ذكره نعم يرد حينئذ لزوم إرادة المعنيين من الشّيء المطلق في المشتبه بناء على التّعميم الّذى ذكره المستدلّ وممّا حقّقناه يظهر الجواب عن الإيراد الثّالث أيضا بل الرّابع أيضا مع انّه لو تمّ ما ذكره لزم كما قيل عدم امكان حمل الخبر على الشّبهة الموضوعيّة أيضا إذ الموضوع يعلم تارة بالحسّ وأخرى بالبيّنة وثالثة باخبار ذي اليد وكانّه بملاحظة ذلك امر بالتّامّل قوله وليته امر بالتّامّل اه أقول وذلك لمساواتهما في الضّعف فانّ وجه التّامّل في الثّانى انّ المعنى واحد والطّرق مختلفة واختلاف الطّرق وتعدّدها لا يوجب تعدّد معنى المعرفة وحاصله منع استعمال اللّفظ في المعنيين وهو جار في الأوّل أيضا على ما بيّنّاه قوله فتقريره من وجهين اه أقول الفرق بينهما انّ الإجماع على الأوّل تعليقىّ وعلى الثّانى تنجيزىّ
[ واما الاجماع فتقريره من وجهين ]
قوله حيث صرّح في ديباجة الكافي اه أقول توضيحه انّه حكم بانّ الحكم في صورة تعارض الأخبار هو التّخيير لا الاحتياط مع انّ الأخبار وردت بوجوبه ومرجع التّخيير إلى البراءة عن التّعيين وهو المطلوب فان قيل مورد البراءة هو ما لا نصّ فيه فكيف يدلّ حكمه بالبراءة فيما تعارض فيه الأخبار بها فيه قلت يتمّ فيه بالإجماع المركّب وبه يندفع ما عسى ان يقال من انّ محلّ الكلام هو الشّبهة التّحريميّة ولا يدلّ كلامه على العمل بالبراءة فيه لا يقال مراده من تعارض النّصّين تعارض الوجوب والحرمة ولا كلام فيه لانّا نقول لا وجه للتّخصيص بهذه الصّورة مع انّ كلامه مطلق واعلم انّ في عبارة الكتاب على ما في النّسخة الموجودة عندي نوع اضطراب فتدبّر فيها قوله وانّ طريقة الشّارع كانت تبليغ المحرّمات اه أقول ويرشد إلى ذلك أمثال قوله تعالى
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ
الآية فلو كان الحكم التّوقف لما كان فائدة في تلاوة ما حرّم اللّه بل لا بدّ من تلاوة ما احلّ اللّه فدلّ ذلك على انّ المحتاج إلى البيان هو الخطر لا الإباحة لكونها موكولة إلى الأصول ومركوزة في العقول قوله ان كان الغرض ممّا ذكر اه أقول ان كان المراد هو الأوّل فوجه تخصيص أهل الشّرائع مع انّ هذا الحكم من المستقلّات العقليّة لعلّه إرادة بيان انّ حكم الشّارع أيضا فيما لا نصّ فيه انّما هو البراءة وان كان المراد هو الثّانى فلا شبهة في تحقّق السّيرة على ذلك فلا يمكن منعها وانّما الشّأن في حجّيتها وهي أيضا ثابتة في محلّها مع عدم استنادها إلى التّساهل وعدم المبالاة
[ الرابع من الأدلة حكم العقل بقبح العقاب على شيء من دون بيان التكليف ]
قوله حكم العقل بقبح العقاب اه أقول بل قيل انّ الأعلام والبيان هو مقتضى معنى التّكليف لغة وعرفا إذ هو من الكلفة ومعناه ايقاع الشّخص في الكلفة والمشقّة ولا يصدق ذلك العنوان الّا بعد معرفة المكلّف كالتّخويف الموقوف تحقّقه على وصول ما به التّوعيد إلى المتوعّد ولذا ذكر بعضهم انّ التّكليف الشّأنى ليس تكليفا حقيقة لظهور انّ ثبوت الحكم في الواقع لا يوجب تحقّق العنوان المذكور قوله مدفوعة بانّ الحكم المذكور اه أقول أورد عليه بانّه ان أراد بعدم كونه بيانا للتّكليف المجهول عدم دلالته على التّكليف المجهول كالوجوب مثلا فهو مسلّم لكنّ القبول بوجوب الاحتياط ليس مبنيّا عليه وان أراد عدم صلاحيّته على فرض تماميّته لرفع قبح المؤاخذة عقلا على التّكليف الواقعىّ الموجود في مورده فهو ممنوع بل فاسد ضرورة انّه لو صحّ ذلك للزم عدم جواز مؤاخذة تارك شكر المنعم والنّظر إلى المعجزة وكذا تارك الفحص في العمل بالبراءة اللّهمّ الّا ان يقال انّ صحة المؤاخذة في الموارد المذكورة ليست من جهة وجود البيان المستند إلى القاعدة بل من جهة تجويز العقل العقاب على الواقع المجهول قوله فلو تمّت عوقب على مخالفتها اه أقول ان قلت هذا الحكم ارشادىّ محض لا يترتّب على مخالفته العقاب وعلى موافقته الثّواب كما في سائر الإرشاديّات فما معنى ما ذكره المص ره قيل انّ المقصود ممّا ذكره ليس هو الحكم بصحّة العقاب على الحكم المذكور على فرض تماميّته مط بل على فرض تماميّته في المقام فانّ المفروض عدم صلاحيّته بيانا للتّكليف المشكوك قوله بل قاعدة القبح واردة عليها اه أقول وذلك لأنّ اثبات احتمال الضّرر اعني العقاب يتوقّف على ثبوت الملازمة بين الحكم الواقعىّ واحتمال العقاب وحكم العقل بقبح