تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 163

مساهمون:

ص١٦٣
يتوقّف على ثبوت الحكمة والعدل وصدق الرّسول وأوصيائه عليهم السّلم قوله فلا تغتر ح بمن قصر استعداده اه أقول النّاس في أمثال زماننا مختلفون بين مفرط ومفرّط فمنهم من يصرف العمر في المطالب العقليّة والشّبهات الفلسفيّة يهيم في كلّ واد ويسمّيه الاستكمال والاسترشاد لا يهتدى إلى الحقّ سبيلا ولا يجد اليه هاديا ودليلا ينغمس في بحار المشكلات ويتحيّرنى في فيافي المعضلات يجدّ في الطّلب في ما لا يسمن ولا يغنى من جوع ويكدّ في التّعب حائرا كالمصروع فإذا قلت له خفّف السّير إلى ما ينحدر عنه السّيل ولا يرقى اليه الطّير قال مهلا مهلا لا تطش جهلا فأين مقامك من مقامات العارفين واين سبيلك من سبيل السّالكين وهل يطلب منك الّا تحصيل العقائد وهل يسوق بغيرها السّائق أو يقود بما سواها القائد تنح عن الوسواس الخنّاس واخلع نفسك عن رذائل مسائل الحيض والنّفاس هل خلقت للرّياضة والرّئاسة أو للخوض في مسائل النّجاسة ولعمري انّهم لفى سكرتهم يعمهون وكلّ حزب بما لديهم فرحون والعجب انّ غاية طلبهم الكفر والخسران وأعجب منه تسميتهم ذلك بالعرفان وأنت إذا تأمّلت في غالب مقاصدهم الّتى يسمّونها بالأسرار ويكتمونها عن الأغيار وجدتها كسراب بقيعة يحسبه الظّمآن ماء حتّى إذا جاءه لم يجده شيئا وإذا أحطت خبرا بمطالبهم الّتى يقتبسونها بزعمهم من عالم الأنوار ويخصّونها بالخصّيصين الأخيار لم تجدها الّا ظلّا وفيئا ومع ذلك يطعنون في الرّاشدين من الفقهاء ويسمّونهم بالسّفهاء الا انّهم هم السّفهاء ولكن لا يعلمون الا في يوم الّذين آمنوا من الكفّار يضحكون على الأرائك ينظرون ومنهم من يفرّ عن العقائد العقليّة الدّينيّة فرار المركوم من رائحة المسك يحتاط من أن يقاربها فضلا عن أن يطالبها فان مسألته عن مسئلة التّوحيد فإذا احدى يديه على الفكّ الأسفل والأخرى على الجيد وإذا طلبت منه حلّ اشكال في مسئلة النّبوّة تريه انخفض بأسرع حركة عن تسلّط الأبوّة إلى تملّاق النّبوّة وإذا استشكلت منه امرا في الإمامة تجده ينظر إلى خلفه تارة وأخرى يقبل امامه وإذا حاولت منه بيانا في مسئلة المعاد فما أتممت بيان المراد الّا وظهر الفساد نعوذ باللّه من دهر لا يميّز فيه بين القشر والسّر وأهل لا يعرفون الهرّ من البر وامّا قدمائنا السّلف لم يزالوا فقهاء متكلّمين وعلماء الهيّين فان أردت من أصحاب الأئمّة فانظر في أحوال هشام بن الحكم الّذى قال في حقّه الإمام عليه السّلم مثلك فليتكلّم وان أردت من العلماء فانظر إلى المرتضى والمفيد حيث كسرا صولة كلّ جبّار عنيد وان أردت من الطّبقة الوسطى فانظر إلى العلّامة على الإطلاق الكاسر لأصنام بدع أهل النّفاق في الآفاق وان سألت من الطّبقة السّفلى فانظر إلى الشّهيد الثّانى حلّال المشكلات الفروع والمباني وهذا شيخنا المص المحقّق الأستاذ في هذه الأزمنة الأخيرة عنده من المعقول ما يكفيه ولم يكن يعجزه مشكل يرده أو شبهة تعتريه كما يستفاد من كتبه ونحن بحمد اللّه قد حصلنا من المعقول ما يكفينا في ايراد الحجج ودفع الشّبه بل اطلعنا على اسرار الحكمة والكلام ولم يزل اعتقاداتنا الحقّة ببركات ما وصل الينا من ائمّتنا الكرام صلوات اللّه عليهم أجمعين إلى يوم القيام قوله وهي صريحة في المدّعى اه أقول ان قلت كيف تكون صريحة فيه ولفظ يعرفه في المقامات الثّلاثة يحتمل المعرفة الكاملة التّفصيليّة فما وقع فيه لفظ شهادة ان لا إله الّا اللّه الخ يكون اتمّ دلالة على المدّعى قلت لو سلّم ذلك بالنّسبة إلى لفظ المعرفة في نفسه لكن سياق الخبر يأبى عن إرادة ذلك كما يظهر بالتّامّل في اوّله وآخره قوله والتّصديق بصفاته الثّبوتيّة اه أقول صفاته الثّبوتيّة هي العلم والقدرة والحياة والإرادة والإدراك والسّرمديّة والتّكلّم والصّدق ولا شكّ في كون الحياة راجعة إلى العلم والقدرة لأنّ الحياة في الواجب تعالى عبارة عن صفة توجب صحّة العلم والقدرة عند جمهور المتكلّمين وكونه تعالى بحيث يصحّ له ان يعلم ويقدر عند الحكماء وايّا ما كان فرجوعها اليهما ظاهر ولذا استدلّ بهما عليها المحقّق الطّوسىّ ره في التّجريد وكذا في كون الإرادة راجعة اليهما لأنّها صفة شأنها تخصيص بعض الممكنات بالإيجاد كما فسّرت به في التّجريد فهي من جزئيّات العلم لأنّها العلم بالأصلح في الحقيقة وكذا في كون الإدراك كذلك وهو ظاهر وكذا في كون صفة التّكلّم كذلك فانّ المقتضى لها هو عموميّة قدرته كما صرّح به في التّجريد وتوضيحه انّ التّكلّم اعني فعل الكلام فينا يتوقّف على قدرة وآلة واللّه تعالى غنىّ عن الآلة في جميع افعاله فالتّكلم فيه تعالى انّما يتوقّف على القدرة دون الآلة ولا شكّ في عموم قدرته بالنّسبة إلى جميع الممكنات لمساواة نسبة ذاته إلى الجميع والتّكلّم بدون الآلة مقدور له تعالى فيدل عموم القدرة على ثبوت صفة التّكلّم له لأنّه صفة كمال فلا يرد انّ غاية ما افاده البيان المذكورة هو المقدوريّة وهي اعمّ من الثّبوت وكذا في كون الصّدق كذلك لما مرّ بعينه ولأنّ امتناع القبح عليه يقتضى ذلك والعلم والقدرة يقتضيان عدم ارتكاب القبيح وانّما الأشكال في ارجاع صفة القدم والأزليّة والسّرمديّة اليهما ويمكن توجيهه بانّ العلم والقدرة عين ذاته تعالى ولو لم يكن قديما لم يكن الأمر كذلك لأنّ القدرة والعلم فرع الوجود والحياة والمفروض انّهما مستندان إلى علّة الحدوث فلا يكون ذاتيّين ومن هنا استدلّ في التّجريد على سرمديّته تعالى بوجوب الوجود فتدبّر ومن هنا يعلم انّه لو ارجع جميع الصّفات الثّبوتيّة إلى صفة وجوب الوجود كما ارجع جميع الصّفات السّلبيّة إلى الحاجة والحدوث كان أولى فلئن قلت كما يمكن ارجاع جميع الصّفات إلى صفتي العلم والقدرة يمكن ارجاع الأولى إلى الثّانية بان يقال قدرته الثّابتة على وجه العموم يقتضى علمه إذ مع فرض عدم العلم بحقايق المقدورات والأصلح بالنّسبة إليها لم يكن قادرا على نحو الوجود اللّائق لها قلت إذا بنى على ذلك أمكن العكس بان يقال عموم علمه يقتضى كونه قادرا لأنّ المثبت للأوّل من كونه واجب الوجود وغيره يقتضى ثبوت الثّانى وعدم ارجاع إحداهما إلى الأخرى لكونهما اظهر الصفات بعد ايجاد الخلائق وابداع الحقائق قوله ويمكن اعتبار ذلك اه أقول هذا هو التّحقيق الّذى لا اضطراب فيه وذلك لأنّ صفات النّبىّ ص على قسمين منها ما يكون راجعا إلى أصل النّبوّة ككونه عاقلا صادقا مدركا إلى غير ذلك من الصّفات الّتى يرجع انكارها إلى انكار أصل النّبوّة فعلا أو شأنا ومنها ما لا يكون كذلك ككونه عالما بالأشياء على سبيل العلم الفعلي الحضوري أو كونه عالما ببعض علوم الغيب أو كونه يرى من خلفه كما يرى من امامه فانّ هذه صفات لو فقدها النّبىّ لم يضرّ في تحقّق أصل نبوّته إذ لا يلزم منه النّقص على
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 163 | السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي