العقليّة بتمامها سواء كانت من قبيل أصول الدّين كما ذكر أو من قبيل أصول المذهب كما ذكر أو من قبيل المسائل الّتى لا تتعلّق بالتّديّن والتّشرّع ككون الكلّ أعظم من الجزء وان كان الأخير خارجا عن العنوان بالقرائن فهل النّزاع في المقام في خصوص أصول الدّين أو يجرى في أصول المذهب أيضا وعلى اىّ تقدير فهل يختصّ بالكليّات الّتى هي بمنزلة العمد لفسطاط الدّين والمذهب أو يجرى في الخصوصيّات والجزئيّات من الكيفيّات والكميّات وما شابههما ممّا لا يتوقّف عليه الدّين والمذهب وان ارتبط بهما أو بأحدهما ككون علم الواجب حضوريّا أو حصوليّا أو كليهما أو لا ذا أو لا ذاك بل علمه الكمالي ذاته ومثل حقيقة القضاء والقدر وحدوث الكلام وقدمه وعينيّة الصّفات وزيادتها ومثل كيفيّة علم الإمام وكيفيّة حضوره عند التّولّد وعند الموت وانّه عليه السّلم هل يتصرّف في الأجسام والقوالب المثاليّة أم لا إلى غير ذلك من المسائل الّتى لا يجب معرفتها تفصيلا وان وجب الاذعان بما هو ثابت منها في الواقع والظّاهر انّ نزاعهم انّما هو في أصول الدّين الّتى يتحقّق بالتّحلى بحلية الاعتقاد بها الإسلام وبالتخلي عنها الكفر وليس نزاعهم في انّ كلّ ما يتعلق بالاعتقاد وان لم يجب معرفته ولا يتوقّف عليه الاسلام يجب فيه تحصيل العلم ولا يكفى فيه الظّنّ فانّ ذلك يكفى فيه الظّنّ والمعرفة بالأدلّة النّقليّة ان لم يكن الاعتقاد به واجبا وكذا إذا كان الاعتقاد به واجبا بعد ثبوته بها وان لم يكن تحصيل الاعتقاد به من أصله واجبا كما في الأوّل بل نقول ما لا يكون واجبا لا يعقل لزوم الأمرين فيه أصلا غاية الأمر انّه قد يجب بعضه كفاية لدفع المبتنى أو لأبطال الشّبهات أو غير ذلك وممّا ذكرناه تعرف ان عد مثل وجود الجوهر الفرد وعدمه واثبات الخلاء ونفيه واثبات الذّوات في الأعدام ونفيها من المتنازع فيه ليس على ما ينبغي وكذا ما في قواعد الشّهيد ره لا يجوز التّقليد في العقليّات ولا في الأصول الضّروريّة من السّمعيّات إذ يدخل فيه التّقليد في مسئلة وجود الجوهر الفرد وعدمه مثلا مع انّه لا دليل على الحرمة فيها الّا ان يقال انّه ممّا علم المراد فيه بالقرينة كما أشرنا وكذا ما في كلام بعض الأواخر من مثل تجرّده تعالى وعينيّة صفاته وحدوث العالم ونفى العقول وكيفيّات المعاد وغير ذلك قوله وهي الّتى لا يطلب فيها اوّلا وبالذّات اه أقول وعلى هذا فيفسّر الفروع الّتى تقابلها بما لا يطلب فيها اوّلا وبالذّات الاعتقاد وهي شاملة لأصول الفقه وفروعه ويفرق بينهما بتخصيص الأولى بما يتعلّق بأحوال الأدلّة والثّانية بما يتعلّق بأحوال التّكاليف وهذا اسلم من تفسيرهم ايّاها بما يختصّ بخصوص الفعل والعمل كما في قولهم في تعريف الحكم الفرعىّ انه ما يتعلّق بكيفيّة العمل بلا واسطة لانتقاضه طردا بدخول مثل وجوب التّسليم والإذعان بالعقائد الدّينية وتخصيص العمل بافعال الجوارح وان كان يدفع بعض الإيراد لكنّه مستلزم لخروج كثير من المسائل الفرعيّة مثل مسئلة النّيّات مع انّ ظاهر العمل ناظر إلى الوجودي فيخرج التّروك عنه مع انّها من الفروع قوله فان أرادوا بعدم وجوب التّصديق اه أقول هاهنا شقّ ثالث وهو ان يكون المراد الرّكون والسّكون إلى اخبار الآحاد وشبهها في الأمور الاعتقاديّة نظير ما ذكروه في النّهى عن القياس وما تقدّم في اوّل الكتاب بالنّسبة إلى المطالب العقليّة وليس المراد النّهى عن اكتساب الظّنّ بعد فرض حصوله قهرا بحصول سببه كما في النّهى عن العمل بالقياس واشباهه والحاصل انّ هذا الطّريق ليس من الطّرق الّتى يسلك بها في الاعتقاديّات لعدم حصول الاطمينان المطلوب فيها به قوله فانّ ما دلّ على وجوب تصديق العادل اه أقول لمانع ان يمنع شموله لمثله لما أشرنا من انّ الأمور الاصليّة الاعتقاديّة يكون المطلوب فيها الاطمينان وسكون النّفس بمعنى انّه لو وجب معرفتها لوجب تحصيل العلم فيها لأنّه موجب لحصول الاطمينان غاية الأمر انّ العقل يحكم بعدم وجوبه لخفائها غالبا عن انظار النّاس وعقولهم وعلى تسليم شموله فيخرج بحكم العقل القاطع نظير عدم اقتضاء الأدلّة حجّيّته فيما إذا عارضه العقل السّليم ولذا يجب تأويله بعد اجتماع شرائط القبول فيه بل ربّما يدّعى عدم شمول الادلّة للخبر المعارض بخبر آخر مع انّ المفروض تساويهما في الرّتبة نوعا فافهم قوله
وامّا ما يتراءى من التّمسك بها اه أقول من هذا الباب تمسّك المتكلّمين في المطالب الكلاميّة بكثير من الظّواهر مع انّهم عرفوا علم الكلام بانّه العلم بالقواعد الدّينية عن البراهين اليقينية مع انّ ذلك كان شايعا بين قدمائهم وعدل عنه متاخّروهم لبعده ظاهرا عن المشرب حتّى انّ علم الكلام صار قسمين كما صرّح به المحقّق التّفتازانى في شرحه على العقائد النّسفيّة أحدهما كلام القدماء المتمسّكين فيه غالبا بالظواهر وثانيهما كلام المتاخّرين المشتمل على المطالب العقليّة والمقاصد الحكميّة وممّا ذكرناه يظهر لك انّ تسمية المحقّق المذكور في شرح المقاصد المعتزلة باهل البدع والأهواء من جهة مخالفتهم للأشاعرة في ظواهر السّنة مع تصريحه بانّ المعتبر فيما يتعلّق بالاعتقاديّات هو اليقين خطأ وغفلة بل الأمر بالعكس في هذه الجهة كيف لا وانّ الأشاعرة كانوا جامدين على الظواهر المخالفة للمعلوم في كثير من المسائل الاعتقاديّة قوله مثل قوله تعالى
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ
اه أقول في دلالته على الوجوب نظر ومجرد كون المعرفة علّة غائيّة للخلق لا يقتضى وجوبها وإلى ذلك ينظر قوله تعالى في الحديث القدسىّ كنت كنزا مخفيّا فأحببت ان اعرف فخلقت الخلق لكلى اعرف فانّه يدلّ على محبوبيّة المعرفة وهي اعمّ من الوجوب فان قلت دلالته على الوجوب من جهة وقوع المعرفة علّة للخلق ولا شكّ انّه واجب وعلّة الواجب لا بدّ من وجوبها كما ذكروه في آية النّفر قلت بعد تسليم المقدّمة الثّانية نمنع المقدّمة الأولى إذ لا دليل عليه الّا لزوم التّعطيل في مبدأ الفيض المطلق وهو مم إذ لا ينحصر الفيض في خلق الثّقلين نعم يمكن ان يقال انّه ثبت في محلّه انّه يجب على اللّه تعالى فعل الأصلح فمن صدور خلق الثّقلين عن مبدأ فيضه يعلم انّه من الأصلح فيكون واجبا تدبّر فيه قوله بقرينة استشهاد الإمام ع اه أقول قد مرّ بعض الرّوايات الّتى استشهد فيها الإمام عليه السّلم كصحيحة يعقوب بن شعيب المرويّة في الكافي في مباحث اخبار الآحاد قوله ومن هنا قد يقال انّ الاشتغال بالعلم اه أقول بل هو اشرف العلوم لأنّ شرف العلم امّا بشرف الموضوع وامّا بشرف الغاية وامّا برشاقة المسائل وامّا بوثاقة الدّلائل ولا شكّ في اجتماع تلك الجهات فيه بل هو مع ذلك من شرائط الاجتهاد من جهة توقّفه على معرفة المكلّف والتّكليف وحكمة المكلّف وعدله بحيث يقبح عليه ان يخاطب بما لا بفهم معناه وما يراد خلاف ظاهره مع عدم نصب القرينة عليه وان يؤخّر البيان عن وقت الحاجة أو يكلّف بما لا يطاق إلى غير ذلك ممّا