تخطي إلى المحتوى الرئيسي

وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
يشكل الحكم به فيما إذا اختلفا وكان الأوّل أرجح سيّما فيما كان أشدّ أو أكثر ولا بأس بتفصيل الكلام في المقام إذ لا يخلو مع اتقانه المرام من فوائد عظام كما هو ظاهر عند المتتبّع في الفقه فمن جملة ثمرات المسألة ما لو دار الأمر بين الهلاك وشرب الخمر فيما إذا انسدّ مجرى الطّعام بحيث يرتفع باقلّ مائع مع عدم وجود الماء ومنها ما لو انحصر معالجة المرض بشرب الخمر ومنها صوم القاطع أو الظّانّ بالهلاك في رمضان إلى غير ذلك من الفروع الجزئيّة المتفرّعة على ذلك المتفرّقة في الأبواب فنقول لا ريب كما أشرنا في انّ الضّرر الأخروىّ إذا كان مقطوعا يجب تقديم التّحرّز عنه على التّحرّز عن الضّرر الدّنيوىّ باختياره عليه وان كان مقطوعا أيضا لما ذكرنا من كون الأوّل أقوى فلو قطع بالهلاك بارتكاب امر يترتّب على تركه العقاب قطعا قدّم فعله على تركه وكذا لو كان الأوّل مظنونا وان كان الثّانى مقطوعا على وجه غير بعيد وامّا إذا كان مشكوكا أو موهوما فإن كان الثّانى كذلك قدّم التّحرّز عنه أيضا وان كان مقطوعا أو مظنونا قدّم التّحرّز عن الثّانى لاستلزام التّحرّز عن الأوّل الاحتياط الموجب للعسر والحرج المنفيّين بالآية والرّواية فان قلت نرى الفقهاء يقدّمون التّحرّز عن الضّرر الدّنيوىّ على التّحرّز عن الضّرر الأخروى في مسئلة التّيمّم والإفطار ونحوهما حيث يحكمون بوجوب التّيمم وترك الوضوء مع الظّنّ بالضّرر ووجوب الإفطار للمريض كذلك قلت لا نسلّم ظنّ الضّرر الأخروى بل احتماله فضلا عن القطع به في أمثال ما ذكر بعد ترخيص الشّارع فالضّرر الدّنيوىّ ضرر بلا معارض فيجب دفعه ومحلّ الكلام هو مقام التّعارض لا ما لا تعارض فيه بحكم النّصّ وغيره ففي صورة ترخيص الشّارع لا يحتمل الضّرر الأخروىّ ولذا يحكم بعدم حرمة ارتكاب الضّرر الدّنيوىّ مع ترخيص الشّارع كما في الجهاد ونحوه غاية الأمر انّ التّرخيص يختلف حاله بالنّسبة إلى المقامات بحسب المصالح والمفاسد فما استشكله بعض الفضلاء في فتوى الفقهاء من انّ الموجب للضّرر امّا ان يكون قبيحا بالذّات بحيث لا يصلح موردا للمصلحة أو لا والأوّل باطل لوقوع الأمر بالجهاد ونحوه في الشّريعة وهو ادلّ دليل الجواز وعلى الثّانى لا يمكن الحكم بوجوب الإفطار وحرمة الصّوم بملاحظة حفظ النّفس لا وقع له كما هو واضح غاية الوضوح والحاصل انّ الأمور الشّرعيّة يرجع فيها إلى الشّارع ومع ترخيص الشّارع في فعل ما يوجب الضّرر الدّنيوىّ كما في الجهاد أو تركه كما في الصّوم لا ضير فيه حتّى انّ القاء النّفس في الضّرر يخرج حينئذ عن حكم النّهى بل عن موضوع المحرّم ومن هنا يظهر النّكتة في الآليان بلفظ الأيدي في قوله تعالى
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
فتامّل فانّها نكتة دقيقة لم يتعرّض لها في كلماتهم فالالقاء إلى التّهلكة باليد بمعنى عدم ترخيص الشّارع فيه قبيح محرّم سواء كانت تهلكة في الدّنيا أم في الآخرة وبهذا يظهر وجه استدلال المص ره تبعا للشيخ وغيره في ما نحن فيه بهذه الآية وانّها تشمل كلا الضّررين فما ربّما يتوهّم من انّ المتبادر منها هو الضّرر الدّنيوىّ ممّا لا ينبغي ان يلتفت اليه فلا حاجة إلى تتميم المطلب بالنّسبة إلى الضّرر الأخروى بالفحوى كما صدر عن بعضهم نعم يمكن الإيراد على الاستدلال بها بانّها معارضة مع الأدلّة الدالّة على ثبوت التّكليف باطلاقها حتّى عند الإفضاء إلى التّهلكة الّا انّه يمكن دفعه بأدنى تامّل لأنّ ثبوت التّكليف في المقام اوّل الكلام فكيف يندرج هذا الموضوع تحت ادلّة التّكاليف فت وقد ظهر ممّا حقّقناه من خروج ما هو محلّ النّصّ عن عنوان المسألة وجه ما ذكره الفقهاء من انّه يجب بذل المال في تحصيل الوضوء مع التّمكن وان كان كثيرا مع انّهم ذكروا انّه يجب التّيمم مع الخوف على المال وان كان قليلا مع ظهور ورود الأشكال على ذلك وظهور التّهافت والتّدافع من جهة انّ المال القليل إذا كان يحفظ ويترك لأجله الوضوء فكيف يبذل القليل في تحصيله فضلا عن الكثير مع أن فيه تضييعا للمال فامّا ان يحفظ المال في الموضعين أو يبذل فيهما فما وجه التّفكيك توضيح الاستظهار انّ الفارق بين المقامين هو النّصّ فلا حاجة إلى ما علّله به بعضهم من انّ الحاصل في الثّانى وهو اخذ المال غصبا العوض على الغاصب لو تركه له وتوضّأ وهو منقطع وفي الأوّل وهو يذل المال اختيارا لتحصيل الوضوء الثواب وهو دائم مع أن التعليل في نفسه عليل لما ذكره الشّهيد الثّانى في الرّوضة من تحقّق الثّواب فيهما مع بذلهما اختيارا طلبا للعبادة لو أبيح ذلك بل قد يجتمع فيه العوض والثّواب بخلاف المقام الآخر نعم لا يبعد فهم الحكمة في امساك هذا الاختلاف في بعض المقامات كما في مسئلة قطع يد السّارق بربع دينار من الذّهب كما أشار اليه علم الهدى في جواب أبى العلاء المعرى حيث قال
يد بخمسمئات عسجدا وديت * ما بالها قطعت في ربع دينار بقوله حراسة الدّم اغلاها وارخصها * حراسة المال فانظر حكمة الباري هناك مظلومة غالت بقيمتها * وهاهنا ظلمت هانت على الباري
وفي هذا المعنى قيل نثرا لما كانت أمينة كانت ثمينة فلمّا خانت هانت قوله اللّهمّ الّا ان يريد المجيب اه أقول لمّا كان كلام المجيب بظاهره محلّ الإيراد كما عرفت أراد ره توجيهه بوجهين أحدهما انّ العقاب مأمون بالنّسبة إلى الأمور الأخرويّة نظرا إلى ما دلّ على البراءة من العقل والنّقل بخلاف الأمور الدّنيويّة التّابعة لموضوعاتها الواقعيّة من غير مدخليّة تأثير العلم والجهل فيها ثانيهما انّ الأحكام التّكليفية تابعة لمصالح ومفاسد واقعيّة عند العدليّة فتلك المضار والمفاسد الواقعيّة المتتبعة للنّهى والحرمة مع قطع النّظر عن التّكليف بالاحتراز عنها والاعلام بترتب العقاب عليها ليست بأمور يقطع العقل بوجوب الاحتراز عنها من حيث نفسها مع قطع النّظر عن العلم والجهل بها كما في المضارّ والمفاسد الدّنيويّة وانّما يقطع بحسن التّكليف بالاحتراز عنها فهي وان كانت حاصلة في الدّنيا بمخالفة التّكاليف الّا انّ الكاشف عنها حكم الشّارع بها وبالجملة لا يستقلّ العقل بالحكم بوجوب الاحتراز عنها لولا نهى الشّارع عنها فيكون حكم العقل به بعد تعلّق نهى الشّارع بها ولذا يجرى أصل البراءة والإباحة في موارد الظّنّ بها وهذا هو السّرّ فيما اشتهر في الألسنة من اهونية الضّرر الأخروىّ من الضّرر الدّنيوىّ مع ما عرفت انّ اقلّه أكثر ضررا من اشدّ مراتب الضّرر الدنيوىّ والحاصل انّ مثل ذلك يحتاج إلى اعلام الحكيم بترتّب العقاب عليه وبعد توجيه الجواب بأحد الوجهين المذكورين يرجع إلى منع الصّغرى والمناقشة في الموضوع قوله ثالثها النّقض بالأمارات اه أقول قد أجيب بالنّقض بأمور منها ما أشير اليه في المتن من خبر الفاسق إذا أفاد الظّنّ فانّ مقتضاه وجوب العمل به مع انّ المعروف فيه العدم حيث يشترطون العدالة في حجّيّة خبر الواحد بل يحصل النّقض بخبر الكافر أيضا إذا أفاد الظّنّ مع انّهم اطبقوا على ردّه ومن القياس وما يلحق به من الاستحسان والمصالح المرسلة ومنها ما لم يدل دليل على اعتباره في استنباط الأحكام كالرّمل والجفر والقرعة والاستخارة ومنها ظنّ المجتهد قبل الفحص عن المعارض ومنها الظّنّ في الموضوعات الخارجيّة
وسيلة الوسائل في شرح الرسائل — صفحة 118 | السيد محمد باقر الطباطبائي اليزدي