لضيق المجال وامّا الحكم الوضعىّ فتفصيل الكلام فيه انّ الوضع يطلق على الاعمّ من الجعل وقد يراد به ما هو قسيم له فهو بالمعنى الاخصّ عبارة عن احداث نسبة بين شيئين كالسّببيّة والشّرطيّة والمانعية فالجامع بين العلّة والمعلول جهة لها طرفان وتمايز العلّة والمعلول بتمايز محلّهما من الجامع فجعل شيء سببا للآخر يرجع إلى جعله في موضع منه والوضع الّذى هو احدى المقولات ليس الّا بهذا المعنى وكون العليّة والمعلوليّة جهة أخرى لا ينافي الاندراج تحت الوضع وإلى ما حقّقناه ينظر من حصر الاحكام الوضعيّة فيما هو من هذا القبيل في مقابل من عدمها الصّحّة والفساد فانّهما ليسا من الوضع بل لا مسرح للجعل فيها على ما سيتّضح إن شاء الله اللّه تعالى والجزئيّة وان كان امرا نسبيّا ولكن جعل الماهيّة عين كون المجموع كلّا انّ كون الجزء جزء ايض عين كون المجموع كلّا مركّبا من الاجزاء وانّما الاختلاف بالاعتبار وامّا الحجّية فلا اشكال في كونها حكما وضعيّا فانّ للحجّة نسبة إلى الواقع يعبّر عنه بالحجّية فهي علقة لها طرفان وليس مقصود من حصر الحكم الوضعىّ في السّببيّة والشّرطيّة والمانعيّة اخراج مثل الحجّية عنه وانّما الغرض التّنبيه على انّ الوضع لا يشمل كلّ ما ليس من التّكليف وانّ بينهما واسطة وامّا الجعل فهو عبارة عن اختراع ماهيّة أو حكم كالصّلاة والطّهارة والحدث فليس الملحوظ في هذا القسم نسبة شيء إلى آخر وامّا التّقرير فهو على قسمين الاوّل امضاء ما يرجع فيه إلى الشّارع بترك ردع شخص عن شيء من العبادات بعد الاطّلاع والتّمكّن أو وجه آخر وهذا هو الّذى ينقسم اليه السّنّة وإلى القول والفعل الكاشفين عمّا يرجع اليه من الأمور الشّرعيّة وليس التّقرير بهذا المعنى قسيما للوضع والجعل بل هو قسم من السّنّة قد يكشف عن التّكليف وقد يكشف عن الجعل والوضع الثّانى عدم رفع ما ثبت من الأمور الوضعيّة بالمعنى الاعمّ مثل سببيّة البيع للبدليّة فانّها جهات ثابتة قبل الشّرع لا يرتفع الّا برفع الشّارع فيكفي في تأثيره عدم تعرّض الشّارع لرفعه فقوله تعالى احلّ اللّه البيع تقرير وتثبيت وامضاء له بمعنى عدم رفعه فانّ ماهيّة المعاملة لا يتوقّف على جعل الشّارع وليس المرجع في اختراعها وابداعها الشّرع وانّما له التّصرف فيها باعتبار شرط أو جعل مانع أو بان يهدم أساسه رأسا كالرّبا ولهذا يكفى في الحكم ببقائها على ما كان الأصل فيه بدفع احتمال الهدم واعتبار شرط أو مانع ولا حاجة إلى دليل يكشف عنها بخلاف التّقرير بالمعنى الاوّل فانّه يتوقّف ثبوته على الدّليل وبالجملة فالتقرير القسيم للوضع والجعل انّما هو بهذا المعنى فالوضع والجعل يشتركان في الحاجة إلى الاحداث ويختصّ التّقرير بانّه ترك للإزالة وإذ قد عرفت ما حقّقناه فاعلم انّه قد وقع الاختلاف في انّ الحكم الوضعىّ بالمعنى الاعمّ هل هو مستقلّ بالجعل أو انّه منتزع من الحكم التّكليفىّ بمعنى انّه عينه بالذّات ويخالفه بالاعتبار والحقّ استقلاله بالجعل بل لا يكاد يظهر غرض المنكر فانّ كون الحكم الوضعىّ من الأمور الغير المتاصّلة من البديهيّات بل لا فرق من هذه الحيثيّة
محجة العلماء في الأدلة العقلية — صفحة 194
مساهمون: الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
ص١٩٤