نعم ، يمكن استظهار الإجماع العمليّ من عمل القضاة وسيرتهم على تقديم قول مدّعي الصحّة في مقام التنازع .
وأمّا العقل : فهو مقرّر بوجوه :
أحدها : دليل الانسداد ؛ فإنّه قد وجّه الشارع أحكاما إلى أفعال العباد إذا وقعت على وجه الصحّة ، بحيث لو بني في إحرازها على العلم يستلزم تعطيل أغلب تلك الأحكام ؛ لانسداد بابه فيها غالبا ؛ فيتعيّن إحرازها بالظنّ . ونتيجة ذلك الدليل لمّا كانت مهملة ، فيقتصر فيها على المتيقّن وهو الظنّ الحاصل من أصالة الصحّة ؛ لأنّه متيقّن الاعتبار لا محالة .
وفيه : أنّ نتيجة دليل الانسداد هو الظنّ الشخصيّ . وأصالة الصحّة إن اعتبرت بوصف الظنّ فهو ممّا لا قائل به ، وإن اعتبرت من حيث كونها أمارة يفيد نوعها الظنّ فهو مضافا إلى أنّه يتمّ لو قلنا بكون نتيجة دليل الانسداد هو اعتبار الظنّ النوعيّ ، مبنيّ على كون اعتبار الأصل المزبور من باب الأمارة لا الأصول . وسيأتي أنّ مقتضى التحقيق هو الثاني .
وثانيها : الاستقراء ؛ كما في اعتبار البيّنة واليد وقول الثقة وذي اليد في الطهارة والنجاسة ، وقول المرأة بأنّها خالية عن المانع ، إلى غير ذلك ممّا نصّ الشارع على اعتبارها ؛ فليكن كذلك فعل المسلم .
وفيه : أنّ الموارد المستقرأة فيها ممّا لا ربط له بمحلّ الكلام أعني فعل المسلم .
والعجب من صاحب العوائد « 1 » ؛ حيث أجاب عن هذا بأنّه استقراء غير تامّ ؛ فإنّه يشعر بتسليمه الاستقراء نفسه ، وقد عرفت ما فيه .
وثالثها : اختلال النظام .
هامش
( 1 ) - عوائد الأيّام : 232 ؛ حيث قال : « أمّا الاستقراء : فالمراد منه إمّا استقراء الأحكام الواردة في الأخبار عن الأئمّة الأطهار عليهم السّلام ، أو في كلمات العلماء الأبرار . وشيء منها لا يفيد في المقام ؛ لأنّ تامّه لم يتحقّق ، وناقصه لو سلّمنا كونه مفيدا فإنّما يفيد لو لم يعارضه خلافه في موارد خاصّة أخرى أزيد ممّا يوافقه » .