المحقّق رحمه اللّه « 1 » جملة من هذه في آخر كتاب القضاء ، وجملة أخرى في آخر كتاب القصاص . ولهم في العمل بالأصول المثبتة في ذلك الباب موجب بيانه بما نقول ، ولعلّه يأتي بمقام القبول ؛ وهو : أنّ في باب الدعاوي والمرافعات موضوعين : أعني المدّعي والمنكر ، قد جعل الشارع لكلّ منهما أحكاما من جملتها إقامة البيّنة على الأوّل ومطالبة اليمين من الثاني . وهما بحسب المفهوم في غاية الوضوح ، والاشتباه إنّما هو بحسب مصاديقهما . ولهم في مقام تميّزهما موازين من جملتها : أنّ المدّعي ما كان قوله على خلاف الظاهر ، والمنكر على وفاقه . ومن جملتها : كون قول المدّعي على خلاف الأصل ، والمنكر ما كان مطابقا له .
إذا عرفت ذلك ، فنقول : إنّ اعتبار الاستصحاب تارة : يكون من باب الطريقيّة وأخرى : من باب الموضوعيّة . وبعبارة أخرى : أنّ المستصحب تارة : يكون له حكم ويراد بالاستصحاب إثبات ذلك الحكم ، وأخرى : ما ليس كذلك بل الغرض منه إحراز موضوع جعل له حكم في الشريعة ؛ كإحراز موضوع المدّعي لكي يطالب بالبيّنة ، وموضوع المنكر لكي يكلّف بالحلف . وما ليس فيه الأصل المثبت بمحلّ الاعتبار إنّما هو ما كان من قبيل الأوّل .
وأمّا الثاني : فلا يدور مدار اعتبار الأصل الجاري فيه فضلا عن كونه مثبتا ؛ وذلك لأنّ المراد بالأصل في كلامهم : « أنّ المنكر ما كان قوله مطابقا للأصل ، والمدّعي ما كان قوله مخالفا له » إنّما هو مجرّد الحالة السابقة ، والتعبير بالأصل من باب المسامحة ؛ فغرضهم أنّ المنكر يمتاز عن المدّعي بكون قوله مطابقا للحالة السابقة ومخالفا لها . وذلك لا تدور مدار كون الأصل فيه بمحلّ الاعتبار ؛ كما أنّ قولهم : « إنّ المدّعي ما كان قوله مخالفا للظاهر ، والمنكر ما كان مطابقا له » لا يدور مدار اعتبار ذلك الظاهر ؛ فافهم .
هامش
( 1 ) - انظر الشرائع 4 : 120 و 240 و 241 ؛ وأيضا المعتبر 1 : 51 - 52 .