بين الفردين بل مجراه هو نفس الفرد المردّد المحقّق في السابق ؛ لما ذكرنا في القسم الأوّل من الأقسام الثلاثة : من أنّ استصحاب الفرد على تقدير جريانه مغن عن استصحاب الكلّيّ بل لا مجرى له ؛ لأنّ استصحاب الفرد سببيّ بالنسبة إلى استصحاب الكلّيّ .
ودعوى : عدم جريان الاستصحاب في الفرد المردّد من جهة تردّده وإجماله .
مدفوعة : بأنّه لم يسمع من أحد اشتراط جريان الاستصحاب بمعرفة المستصحب مفصّلا ، بل لا وجه له بعد عموم أدلّة الاستصحاب .
وأمّا الثاني : ففيه : أوّلا : أنّا لم نجد في الأحكام الشرعيّة ما يكون كذلك . والمثال الّذي ذكره المصنّف رحمه اللّه من الحدث المردّد ليس مطابقا للممثّل ؛ إذ الحكم الّذي صدر من الشارع في الحدث الأصغر وجوب الوضوء ، وفي الحدث الأكبر وجوب الغسل فيما اشتراط الطهارة فيه كالصلاة وغيرها . وأمّا مانعيّتهما عن الصلاة فهو حكم عقليّ انتزاعيّ من الحكم الشرعيّ المذكور .
هذا إذا قلنا بأنّ حرمة العبادة مع الحدث تشريعيّ . وأمّا إذا قلنا بأنّ حرمتها حينئذ ذاتيّ فيكون المثال المزبور نظير مسّ كتابة القرآن ؛ بمعنى أنّ القدر المشترك في ظاهر الأدلّة له حكم شرعيّ مغاير لحكم الفردين ؛ بتقريب أنّ المحدث بالحدث الأصغر يجب عليه الوضوء ، وبالحدث الأكبر يجب عليه الغسل ، ومطلق المحدث يحرم عليه العبادة ومسّ كتابة القرآن ، كما هو ظاهر قوله تعالى : و
لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ
« 1 » .
لكنّ التأمّل الدقيق قاض بعدم انطباق هذا المثال أيضا ؛ لأنّ حرمة المسّ للمحدث بالحدث الأصغر مغاير لحرمة المسّ للمحدث بالأكبر ؛ بمعنى أنّ الحرمة في كلّ منهما حرمة خاصّة يزول في الأوّل بالوضوء ، وفي الثاني بالغسل . ومن المعلوم أنّ جنس الحدث غير قابل لأن يعرضه هذان الحكمان بوصف الخصوصيّة ؛ فلا بدّ أن
هامش
( 1 ) - الواقعة : 79 .