إذا عرفت هذا فلننقل الكلام إلى بيان معنى الجعل وتحرير ما هو المراد منه في المقام ؛ فنقول :
إنّ الجعل في التكوينيّات عبارة عن إيجادها وخلقتها في الخارج ، وهو تأثير قائم بالجاعل ، والمجعول بهذا الجعل قائم بغيره ؛ فالتغاير بين الجعل بهذا المعنى ومجعوله واضح ؛ ضرورة أنّ الجعل حينئذ من مقولة الفعل القائم بالفاعل ، والمجعول إنّما هو شيء خارجيّ ، كما في القصعة « 1 » بالنسبة إلى عمل القصّاع ؛ ولذلك يكون إضافة الجعل بهذا المعنى إلى مجعوله بتقدير اللام الكاشف عن المغايرة بينهما .
وأمّا في الأحكام : فهو عبارة عن الإنشاءات القائمة بنفس الجاعل كالايجاب وإنشاء الوجوب . والتغاير بين الجعل بهذا المعنى ومجعوله اعتباريّ بيد المعتبر ، ومع قطع النظر عن الاعتبار فهما متّحدان ؛ إذ ليس في مقام إيجاب الشيء إلّا إنشاء واحد قائم بنفس الموجب ، وهو بملاحظة نفسه يسمّى إيجابا ، وبملاحظة صدوره عن الموجب يسمّى إنشاء ، وبملاحظة تعلّقه بالفعل يسمّى وجوبا ، وحينئذ يكون الإضافة في هذا القسم بيانيّة . وإلى هذا ينظر كلام المصنّف رحمه اللّه في كتابه المكاسب « 2 » :
أنّ الإضافة في إنشاء البيع بيانيّة ، والإضافة بتقدير اللام أيضا يمكن تصحيحها بعد اعتبار التغاير بينهما .
هذا كلّه في بيان معنى الجعل وأنّه في التكوينيّات غير ما هو في الأحكام .
وأمّا أقسامه : فهو أنّه بين أقسام ثلاثة : أصليّ استقلاليّ ، تبعيّ غير استقلاليّ ، وجعل تسامحيّ ؛ أعني ما لم يكن في الواقع جعلا ، وإنّما كان ظاهره الجعل .
مثال الأوّل : في التكوينيّات خلق الماهيّات ، وفي الأحكام جعل الوجوب
هامش
( 1 ) - « القصعة » : جمعه قصع وقصاع وقصعات : الصفحة [ كاسهء بزرگ ] . و « القصّاع » : من يصنع القصاع [ كاسهساز ] .
( 2 ) - المكاسب 3 : 19 .