وهذا الكلام كما ترى صريح في أنّ محلّ النزاع في هذا الباب إنّما هو نفس السببيّة والشرطيّة وأمثالهما ، ومختاره هو القول بثبوت الجعل بالنسبة إليها ؛ هذا .
وربّما يورد عليه : بأنّه إن أراد إثبات الجعل الاستقلاليّ بالنسبة إلى السببيّة والشرطيّة وأمثالهما يعني أنّها أحكام قائمة بالحاكم نظير الأحكام الخمسة التكليفيّة ، فهو مصادمة للبديهة ؛ كيف ، وهي من المعقولات الثانويّة القائمة بالأشياء الخارجيّة لا تتعقّل إلّا بعد تعقّل الخطابات الشرعيّة ؟ ! فكيف يدّعي كونها أحكاما شرعيّة مع أنّ وظيفة الحكم أنّ يكون قائما بالحاكم ؟ !
وبالجملة : إنّ الجعل الاستقلاليّ في الأحكام - كما عرفت - إنّما يتحقّق فيما قام بنفس المنشئ والحاكم ؛ فكيف يمكن إثباته في هذه الأمور الّتي لا تكون إلّا من الصفات القائمة بالأشياء الخارجيّة ؟ !
وإن أغمض عن هذه الإرادة فمراده بين أمور ثلاث وكلّ منها ليس بمردود عند النفاة :
أحدها : أن يقال : إنّها أمور متأصّلة في الخارج وتكون من لوازم الماهيّات ؛ يعني أنّ السببيّة بالنسبة إلى الدلوك نظير الحلاوة بالنسبة إلى التمر ، ولمّا كان هذا اللازم أمرا قد خفي حاله على العباد كشف عنه الشارع في الخطابات الشرعيّة .
وثانيها : أن يقال : إنّها أمور منتزعة من الخطابات الشرعيّة ؛ وهو بين وجهين ؛ لأنّ منشأ الانتزاع تارة : يكون قوله : « الدلوك سبب لوجوب الصلاة » ، وأخرى :
قوله تعالى :
أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ
« 1 » .
وكيف كان : فكلّ من هذه الأمور غير منكر عند المنكر ، وحينئذ يكون النزاع في المسألة لفظيّا .
وفيه : أنّ غاية ما يعترف به المنكر إنّما هو الأوّل والثالث دون الثاني ؛ لأنّ
هامش
( 1 ) - الإسراء : 78 .