وهذه أيضا تارة : يلاحظ بعنوان وجوبه العقليّ بمعنى اللابدّيّة ، وأخرى : بعنوان وجوبه المعلوليّ المتولّد من الأمر بذي المقدّمة ، وثالثا : بعنوان وجوبه الغيريّ الأصليّ ؛ أعني ما يأتي به تحت الخطاب المستقلّ لكن للغير ؛ كما في قوله تعالى :
وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ
« 1 » وقوله :
قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
« 2 » وقوله :
ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا
« 3 » إلى غير ذلك .
إذا عرفت هذا ، فنقول :
أمّا الأوّل : ففيه : أنّ وجوب الجزء بهذا اللحاظ عين وجوب الكلّ . والمراد ليس هو الاتّحاد في المفهوم أو التصادق بحسب المصداق ؛ كيف ، وخلافه ضروريّ ؟ ! بل المراد اتّحادهما بحسب الانتزاع والمصلحة الباعثة للطلب .
أمّا الأوّل : فلأنّ انتزاع الجزئيّة من الجزء لا يكون إلّا بعد لحاظ سائر الأجزاء ، فكما أنّ انتزاع صفة الكلّيّة من الأجزاء بعد لحاظها ، فكذلك انتزاع الجزئيّة أيضا من الجزء إنّما هو بعد لحاظها .
وأمّا الثاني : فلأنّ كلّا من الكلّ والجزء بحسب المصلحة الباعثة للطلب في عرض واحد ؛ ولذا يرتفع الكلّ بارتفاع بعض الأجزاء . وكيف كان : فجريان الأصل في الجزء بهذا اللحاظ تابع لجريانه في الكلّ . وقد عرفت ما في الثاني فكذلك الأوّل .
وأمّا الثاني : فلأنّ وجوبه بمعنى اللابدّيّة من لوازم الماهيّات ، نظير زوجيّة الأربعة وحلاوة التمر مثلا ، فليس من الحوادث لكي يأتي في حيّز الأصل .
وأمّا الثالث : فلكونه فاقدا للحالة السابقة ؛ لأنّه ليس لنا زمان يعلم فيه عدم
هامش
( 1 ) - المدّثّر : 3 .
( 2 ) - البقرة : 238 .
( 3 ) - الحجّ : 77 .