وعن المحذور الثاني : بأنّه إن أريد أنّ الاحتياط في مرتبة لو باشره واحد من المكلّفين يلزم اختلال النظام في العالم ، فهو واضح الفساد ؛ لأنّه خلاف الوجدان .
وإن أراد أنّه في مرتبة لو قام نوع المكلّفين بمباشرته يلزم اختلال النظام ، ففيه : أنّ هذا لا يختصّ بالاحتياط بل جميع الأفعال حتّى المباحات في مرتبة لو قام نوع الإنسان بإتيان واحد منها لحصل الاختلال في أمر معاشهم .
وحلّه : أنّ التكاليف إنّما هي جارية على طبق العادة ، والعادة لم تستقرّ على قيام نوع الإنسان على إتيان فعل واحد ؛ فلم يثبت استحباب الاحتياط في جميع الشبهات .
[ الرابع : عدم اختصاص الإباحة بالعاجز عن الاستعلام ]
658 - قوله رحمه اللّه : « بل يشمل القادر على تحصيل العلم . . . » ( 2 : 140 )
أقول : في المقام إشكال مضى الإشارة إليه سابقا ؛ وهو : أنّه ما الفرق بين الشبهة الحكميّة والموضوعيّة ؛ حيث أجمعوا على عدم جواز العمل بالأصل في الأولى قبل الفحص ، بخلاف الثانية ؛ فإنّهم أجمعوا على جواز العمل به فيها مطلقا ؟
هل الفارق هو الإجماع فقط - كما هو ظاهر كلام المصنّف رحمه اللّه - أم لا بل ينتهي إلى البرهان أيضا ؟
ومقتضى التحقيق هو الثاني ؛ بيانه : أنّ طريق الامتثال وإطاعة المولى منحصر في الشبهة الحكميّة في الفحص ، بحيث لو لم يسأل المكلّف ولم يتفحّص بل عمل في مقام الشكّ بالأصل ، لما كان يحصل منه امتثال فيها أصلا ، مع أنّه يمكنه الامتثال بالفحص . ومن المعلوم أنّ مثل ذلك يعدّ عند العقل والعقلاء عاصيا ؛ نظرا إلى كونه هاتكا لعرض المولى ، ولا يعقل ترخيص المولى إيّاه في العمل بالأصل عند الشكّ ؛ لاستلزامه التناقض ونقض الغرض ؛ ضرورة بقاء المحبوب على محبوبيّته ، والترخيص في تركه تناقض ، بخلاف الشبهة الموضوعيّة ؛ لعدم انحصار