عدم تحقّق التنجّز لا منشأ لحكم العقل بوجوب المقدّمة العلميّة .
فإن قلت : ما الدليل على أنّ مجرد العلم بالحكم غير كاف في تحقّق التنجّز ، بل لا بدّ فيه من العلم بالموضوع أيضا .
قلت : إنّ الدليل إنّما هو بناء العقلاء وإجماع العلماء على أنّ شرط تنجّز التكليف إنّما هو العلم بالموضوع والمحمول معا ، وما نحن فيه فاقد للأوّل .
فإن قلت : مضافا إلى أنّ هذا منقوض بالجاهل المقصّر في الحكم - حيث إنّه يعاقب مع كونه جاهلا بالحكم - إنّ مثل هذا الجاهل الّذي توجّه إليه الخطاب وكان قادرا على رفع جهله بالفحص ، يعدّ عند العقلاء في عداد العالمين ؛ ومن هنا ينقدح تفصيل في جريان الدليل العقليّ في الشبهات الموضوعيّة بين قبل الفحص وبعده ، فلا يجرى في الأوّل بخلاف الثاني ، كما في الشبهات الحكميّة . غاية الفرق : أنّ الدليل الشرعيّ على ثبوت البراءة في الشبهات الموضوعيّة موجود قبل الفحص بخلاف الشبهة الحكميّة ، وأين هذا من الدليل العقليّ ؟ فإنّه لا يفرق فيه من حيث الجريان وعدمه بين الحالتين في الشبهتين ، بل ربما يقال : إذا ثبت عدم جريان الدليل العقليّ في الشبهة الحكميّة قبل الفحص فثبوته في الشبهة الموضوعيّة بطريق أولى .
وجه الأولويّة : أوّلا : قوله عليه السّلام في صحيحة عبد الرحمن السابقة : « إحدى الجهالتين أهون من الأخرى ، الجهالة بأنّ اللّه حرّم عليه ذلك . . . الخبر » « 1 » ؛ حيث إنّه يدلّ على أنّ الأمر في الشبهة الحكميّة أهون من الشبهة الموضوعيّة ، وإذا لم يجر قاعدة القبح قبل الفحص فيما هو أمره هيّن ، فعدم جريانها فيما هو آكد منه بطريق أولى .
هامش
( 1 ) - مرّ في ص 322 من كتابنا هذا .