بالوصف المزبور في حال عدم العلم بالتكليف به ممّا لا يطاق ؛ هذا .
وفيه : أنّ عدم العلم بالتكليف لا يضرّ بتحقّق موضوع العبادة في الخارج ؛ لأنّ منشأ الإشكال إمّا قصد التقرّب أو نيّة الوجه ، ودفع كلّ منهما أسهل من الآخر .
أمّا الأوّل : فلأنّ قصد التقرّب لا يتوقّف على العلم بوجود الأمر فعلا بل يكفي فيه إتيان الفعل بداعي الأمر وحصول الانقياد . وبالجملة : فقصد الإتيان بمجرّد احتمال كونه مطلوبا للآمر يكفي في حصوله .
وأمّا الثاني : فلأنّ نية الوجه على تقدير اعتبارها إنّما يعتبر في صورة التمكّن ، وأمّا في صورة عدم الإمكان - كما في المقام - فلا يعتبر إجماعا . والعجب من المصنّف رحمه اللّه حيث التفت إلى هذا الإيراد بقوله : « واحتمال كون الغرض من التكليف مطلق صدور الفعل . . . » « 1 » ، لكنّه أجاب بما ليس بجواب عنه وإنّما هو طفرة فيه ؛ نظير قوله تعالى
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ
« 2 » ؛ حيث إنّ السؤال إنّما هو عن كنه حقيقة الأهلّة ؛ لكنّه لمّا كان الجواب عنه ممّا لا يصل إليه أيدي أفهام السائلين ، أعرض عنه وذكر في مقام الجواب مطلبا آخر يناسب أفهامهم « 3 » . وما نحن فيه أيضا كذلك ؛ حيث إنّ الإيراد المزبور لمّا كان غير
هامش
( 1 ) - فرائد الأصول 2 : 58 .
( 2 ) - البقرة : 189 .
( 3 ) - وهذا سمّي في البلاغة ب « أسلوب الحكيم » ؛ قال في المطوّل : « سألوا عن السبب في اختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه ؛ حيث قالوا : ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثمّ يتزايد قليلا قليلا حتّى يمتلئ ويستوي ، ثمّ لا يزال حتّى يعود كما بدأ ، لا يكون على حالة واحدة ؟ ! فأجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف ؛ وهو : أنّ الأهلّة بحسب ذلك الاختلاف معالم يوقت بها الناس أمورهم من المزارع والمتاجر ومحالّ الديون والصوم وغير ذلك ومعالم للحجّ ، يعرف بها وقته ؛ وذلك للتنبيه على أنّ الأولى والأليق بحالهم أن يسألوا عن الغرض لا عن السبب ؛ لأنّهم ليسوا ممّن يطّلعون بسهولة على ما هو من دقائق علم الهيئة ، ولا يتعلّق لهم به غرض » ؛ انظر المطوّل : 136 ؛ وأيضا جواهر البلاغة : 334 - 337 .