بعد العلم بالحكم ، وحيث لا علم به فلا عصيان ، وحيث لا عصيان فلا يترتّب المفاسد .
وفيه : أنّ هذا مستلزم لأحد الأمرين : إمّا رفع اليد عن القاعدة المقرّرة عند العدليّة من أنّ الأحكام الشرعيّة تابعة للمصالح والمفاسد ، أو لزوم الدور ؛ لأنّ انبعاث الحكم التحريميّ بالنسبة إلى الفعل موقوف على وجود المفسدة فيه ، وهي موقوفة على تحقّق العصيان ، والعصيان لا يتحقّق إلّا بعد تحقّق الحكم ، وهذا هو الدور .
ومنها : أن يلتزم في المشتبهات بالبراءة والاحتياط كليهما معا كلّ من جهة ؛ أمّا الاحتياط فهو بالنسبة إلى المفسدة من جهة لزوم دفع الضرر المحتمل بحكم العقل .
وأمّا البراءة فهو بالنسبة إلى العقاب من جهة قاعدة قبح العقاب بلا بيان ؛ هذا .
571 - قوله رحمه اللّه : « والظاهر : أنّ المراد به ما لا يطاق الامتثال به . . . » ( 2 : 58 )
أقول : لمّا كان ظاهر عبارة السيّد « 1 » - من جهة كون الموصول عبارة عن الفعل - أنّ الفعل في حال عدم العلم بالتكليف به يكون ممّا لا يطاق ، وأورد عليه بأنّ الفعل بمجرّد عدم العلم بالتكليف به لا يصير ممّا لا يطاق ؛ كيف ، وهو محلّ النزاع بين الأخباريّين والمجتهدين في تعلّق التكليف به ؟ ! فأتى المصنّف رحمه اللّه بمقام التوجيه ؛ وملخّصه : أنّ المراد ما لا يطاق الامتثال به وإتيانه بقصد الطاعة ، والفعل المشتبه إذا كان من العبادات أو التوصّليّات وأريد إتيانها بقصد الطاعة يكون ممّا لا يطاق في حال عدم العلم بالتكليف به ؛ ضرورة أنّ العبادة - وكذا ما هو توصّليّ إذا أريد إثباته بقصد الطاعة - يتوقّف تحقّقه في الخارج على قصد التقرّب ، وهو عبارة عن موافقة الأمر - سواء كان متعلّقه هو الفعل أو الترك كما في تروك الصوم - وإذا لم يحصل العلم بالأمر فلا يمكن قصد التقرّب ، وحينئذ يصير إيجاد الفعل
هامش
( 1 ) - السيّد أبو المكارم في الغنية ( الجوامع الفقهيّة ) : 464 .