هذه القضيّة الّتي هي قبح العقاب بلا بيان للزم الدور ، ومن لزوم الدور في الطرفين يعلم أنّه لا ورود في البين بالنسبة إلى كلّ من القاعدتين ، فهو ليس إلّا مغالطة صرفة ؛ هذا .
570 - قوله رحمه اللّه : « وإن أريد بها مضرّة أخرى غير العقاب . . . » ( 2 : 57 )
أقول : غاية ما يمكن أن يوجّه به كلامه رحمه اللّه : أنّ الميزان الكلّيّ في كون الشبهة موضوعيّة أنّه متى كان الشكّ في الاندراج وتحقّق المصداق ، مع كون الموضوع المتوجّه إليه الحكم الكلّيّ أمرا عامّا مبيّنا من حيث المفهوم ، فلا جرم يكون الشبهة موضوعيّة . وما نحن فيه كذلك ؛ ضرورة أنّ الشكّ في وجود المفسدة في الشيء المشكوك ، مرجعه إلى الشكّ في اندراج هذه المصداق تحت الموضوع العامّ الّذي ثبت حرمته بقوله تعالى :
وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ
« 1 » ، وإذا كان الشبهة موضوعيّة من هذه الجهة فيصحّ جريان البراءة فيها باتّفاق الفريقين ؛ هذا .
وأنت خبير بما فيه : من أنّ المفسدة الّتي هي غير العقاب بين قسمين : مفسدة اخرويّة كسكرات الموت وطول الموقف وسائر العقبات ، ومفسدة دنيويّة .
فإن كان المراد بالمفسدة المزبورة هو القسم الأوّل : فالصغرى - أعني كون الشبهة موضوعيّة - ممنوعة ؛ ضرورة أنّه لم يتحقّق من قبل الشارع حكم شرعيّ تحريميّ بالنسبة إلى المفاسد الاخرويّة حتّى يكون المشكوك منها من الشبهة في المصداق ؛ لأنّ المفاسد الكامنة في الأشياء قد أوجبت الحكم بالتحريم كما هو مذهب العدليّة ، والمفروض أنّه مشكوك ، فلو صارت موجبة لحكم آخر بالتحريم حتّى يكون المشكوك منها من الشبهة في المصداق يلزم التسلسل .
لا يقال : إنّ المفاسد المزبورة وإن لم تكن قابلة لأن يتوجّه إليه الحكم بعنوانها
هامش
( 1 ) - البقرة : 195 .