العقليّ ، كما هو شأن الدليل الشرعيّ إذا ذكر منفردا عن الدليل العقليّ .
وثانيهما : أنّ شرب التتن وأمثاله من المشتبهات لمّا لم يكن من أفراد المستثنى ، فهو مندرج تحت المستثنى منه ، وحكمه الإباحة .
وفيه : أوّلا : أنّ الحصر المستفاد من الآية إضافيّ ؛ يعني أنّه بالنسبة إلى ما حرّمه اليهود من بعض ما رزقهم اللّه تعالى ، لا بالنسبة إلى جميع الأشياء حتّى الشبهات .
وثانيا - بعد التسليم - : أنّ مفاده إنّما هو إثبات الحكم الواقعيّ ؛ لأنّه بعد أن لوحظ جميع أفراد المحرّمات ولم يكن شرب التتن مثلا مندرجا تحتها ، فهو من المباحات الواقعيّة .
وثالثا : أنّ من أفراد المستثنى « أو فسقا » « 1 » ، ومفهوم الفسق وإن كان مبيّنا - لأنّه عبارة عمّا يخرج به عن طاعة اللّه - لكن تعيين ما يوجب الخروج عنها لا بدّ أن يكون من قبل الشارع ، والمفروض أنّ شرب التتن وأمثاله لا يعلم أنّه ممّا يوجب الخروج عن طاعته تعالى ، فيكون المخصّص بالنسبة إليه مجملا ، ولا خلاف بينهم في أنّ المخصّص المجمل إذا كان متّصلا يوجب الإجمال في العموم ، فيصير مجملا فلا يجوز التمسّك به .
[ 6 - الاستدلال بآية وَما لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا . . .
]
519 - قوله رحمه اللّه : « ولعلّ هذه الآية أظهر من سابقتها . . . » ( 2 : 26 )
أقول : ملخّصه : أنّ هذه الآية أحسن حالا من الآية السابقة ؛ لأنّ غاية مفاد السابقة أنّ الشيء ما لم يوجد تحريمه فيما أوحى إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم لا يجوز الحكم بحرمته ، وأمّا إثبات الإباحة فلا دلالة لها عليها ، بخلاف هذه الآية ؛ فإنّها تدلّ زائدا على عدم جواز الحكم بالحرمة ، على أنّه لا بدّ من الالتزام بالإباحة ؛ لأنّ مفاد قوله
هامش
( 1 ) -قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى طاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ . . . ؛المصدر السابق .