وإن كان المراد هو الثاني : فيندرج المستقلّات العقليّة تحت المغيّى ، ويكون الآية حينئذ دليلا للقول بإنكار الملازمة وردّا على القول بإثباتها .
اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّه حينئذ مخصّص بما دلّ من البراهين على ثبوت الملازمة بغير المستقلّات .
وعلى جميع التقادير فهو دالّ على أنّ العقاب في غير المستقلّات يدور مدار البيان ؛ هذا .
510 - قوله رحمه اللّه : « وفيه : أنّ ظاهره الإخبار . . . » ( 2 : 23 )
أقول : إنّ منشأ الظهور قرينة السياق ولفظ الماضي .
فان قلت : إنّ هذه الآية نظير قوله تعالى :
وَما كُنَّا ظالِمِينَ
وأمثاله ممّا يكون الماضي فيه مسلوبا عن الماضويّة ، ومفادهما أنّه ليس الظلم والعذاب من شأننا ، وهذا لا يفرق فيه بين الماضي والحال والاستقبال ، فيتمّ به الاستدلال .
قلت - مضافا إلى أنّ هذا مجرّد احتمال ، فليس بظاهر فيه حتّى يتمّ به الاستدلال - إنّ لنا قرينة تدلّ على بقاء « كان » في الآية على الماضويّة ولا يعقل إرادة الحال والاستقبال منه ؛ وهي أنّ المراد بالرسول - كما في غير واحد من الآيات - إنّما هو الرسول الظاهريّ ، والمراد بالبعث بعثه لدعوة الامّة ، ولا شبهة في الدين أنّ نبيّنا صلّى اللّه عليه وآله وسلّم خاتم النبيّين ، وحينئذ فإن كان المراد به الماضي فهو عين المدّعى ، وإن كان المراد به الحال والاستقبال يلزم تعليق العذاب على أمر محال وهو بعث النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وسلّم بعد نزول هذه الآية ، وبطلانه في غاية الوضوح .
وقد أجيب عن الاستدلال بالآية المزبورة بوجهين آخرين :
أحدهما : أنّ الرسول حقيقة في النبيّ المبعوث ، والغاية وهو البعثة حاصلة بالنسبة إليه ، فلا مانع من العقاب في الشبهات .
ودعوى : أنّ مجرّد البعثة ووصول البيان في بعض الأحكام لا يوجب العقاب