التكاليف كحال سائر الأمور الّتي كانت النسبة بينها عموما من وجه - فلا بدّ من ملاحظة المرجّحات ويعمل بذي المرجّح ، لكن في المقام يكون المرجّح دائما على طبق القاعدة ، بحيث لو فرض خلّوها عن المرجّح لا معنى لتقديمها على أدلّة التكاليف - أم لا ، بل القاعدة بالنسبة إلى أدلّة التكاليف وإن كانت النسبة بينهما عموما من وجه ، تقدّم عليها لكن لا من جهة كونها ذي المرجّح دائما بل من جهة كونها حاكمة عليها ، يعني أنّها مقدّمة ولو فرض خلّوها عن المرجّح ؟
وجهان بل قولان ، ظاهر صاحب الرياض ومن تبعه هو الأوّل ومقتضى التحقيق تبعا للمصنّف رحمه اللّه هو الثاني .
وتوضيح الحال في هذا المقال مبنيّ على بيان المعيار للحكومة ؛ فنقول : إنّ ميزانها - حسب ما يستفاد من المتن بعد توضيح منّا - هو أن يكون أحد الدليلين بلسانه اللفظىّ مفسّر للآخر ، فالحاكم هو المفسّر بالكسر والمحكوم هو المفسّر بالفتح .
وبعبارة أخرى : إنّ الحاكم هو ما لو لم يكن المحكوم في قباله لكان ذكره لغوا ؛ لأنّ المفسّر إذا لم يكن في قبال المفسّر فلا معنى لكونه مفسّرا .
وبهذا يفترق عن التخصيص ؛ حيث إنّ المخصّص ولو لم يكن في قباله عامّ لم يكن لغويّة في ذكره ؛ ضرورة أنّ قول المولى : « لا تكرم زيدا » ولو لم يصدر منه العامّ - أعني قوله : « أكرم العلماء » - لا يخلو عن فائدة ؛ لأنّه إنشاء خاصّ مستقلّ أنشأه المولى بالنسبة إلى زيد فقط ، ولا يتوقّف على صدور الحكم الإثباتيّ بالنسبة إلى العامّ . وما نحن فيه - أعني قاعدة الحرج بالنسبة إلى أدلّة التكاليف - إنّما هو من مقولة الحكومة ؛ ضرورة أنّ أدلّة التكاليف لو لم يكن ثابتة لكان قوله سبحانه :
ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
« 1 » خاليا عن الفائدة ؛ لأنّ التكاليف إذا لم تكن
هامش
( 1 ) - الحجّ : 78 .