فالآية تدلّ على المنع عن العمل بغير العلم لعلّة هي كونه في معرض المخالفة للواقع .
وأمّا جواز الاعتماد على الفتوى والشهادة ، فلا يجوز القياس به ؛ لما تقدّم في توجيه كلام ابن قبة : من أنّ الاقدام على ما فيه مخالفة الواقع أحيانا قد يحسن لأجل الاضطرار إليه وعدم وجود الأقرب إلى الواقع منه كما في الفتوى ، وقد يكون لأجل مصلحة تزيد على مصلحة إدراك الواقع ، فراجع .
فالأولى لمن يريد التفصّي ( 438 ) عن هذا الإيراد : التشبّث بما ذكرنا ،
شرح
438 . توضيح المقام : أنّ المراد من التبيّن هو تحصيل الوثوق والاطمئنان الذي يسمّى بالعلم العرفي ، لاستناد أهل العرف واعتمادهم عليه في أمورهم ، وبالجهالة هي الجهالة العرفيّة التي هي مقابل الوثوق الشامل للشكّ والظنّ . وفي الآية إرشاد إلى طريقة العقلاء ، لعدم إقدامهم في أمورهم إلّا على ما يحصل معه الوثوق وسكون النفس . فالمقصود من الآية هو الأمر بالفحص عن خبر الفاسق إذا جاء به ، وتحصيل الوثوق بصدوره ، تحرّزا عن الوقوع في الندم بسبب العمل بخبره من دون وثوق بصدقه . والآية حينئذ تدلّ بمنطوقها من حيث الأمر بالتبيّن والتعليل بمخافة الإصابة بالجهالة على كون المناط في العمل بالأخبار حصول الوثوق بصدق المخبر ، سواء كان عادلا أم فاسقا . والتفصيل بين العادل والفاسق حينئذ إنّما هو من جهة كون خبر العادل الواقعي مفيدا للوثوق غالبا دون الفاسق ، وإلّا فالمفهوم ليس بمقصود على ما ذكرنا من كون مناط العمل حصول الوثوق بصدق المخبر مطلقا . ولا ريب أنّ استعمال التبيّن في معنى الوثوق والجهالة فيما يقابله أمر شايع في العرف ، ولا تأبى عن الحمل عليه ألفاظ الكتاب .
ويؤيّده أنّه قد وقع الإجماع - كما سيجيء - على حجّية خبر الفاسق الموثوق بالصدور الذي يسمّى صحيحا عند القدماء . فإن قلنا بكون المراد بالتبيّن هو العلم والجزم وبالجهالة ما يقابله ، يلزم تخصيص منطوق الآية بالإجماع المذكور . وإن قلنا بكون المراد به ما يشمل الوثوق وبالجهالة ما يقابله ، كان خبر الفاسق الموثوق بالصدور خارجا من منطوقها موضوعا ، لكون عدم وجوب التبيّن