من حيث رجوع الفرق بين الفاسق والعادل في وجوب التبيّن إلى : أنّ العادل الواقعي يحصل منه غالبا الاطمئنان المذكور بخلاف الفاسق ؛ فلهذا وجب فيه تحصيل هذا الاطمئنان من الخارج ، لكنّك خبير بأنّ الاستدلال بالمفهوم على حجّية خبر العادل المفيد للاطمئنان غير محتاج إليه ؛ إذ المنطوق على هذا التقرير يدلّ على حجّية كلّ ما يفيد الاطمئنان كما لا يخفى ، فيثبت اعتبار مرتبة خاصّة من مطلق الظنّ .
شرح
خبر الفاسق غير المفيد للاطمئنان دون خبر العادل المفيد له ، بأن كان المراد بخبر الفاسق في المنطوق خصوص ما لا يفيد الاطمئنان ، وبخبر العادل في طرف المفهوم هو خصوص ما يفيده ، حتّى يكون خبر العادل غير المفيد له مشاركا لخبر الفاسق في وجوب التبيّن عنه ، يرد عليه أنّه مخالف لظاهر الآية المفصّلة بين الفاسق والعادل ، لأنّ التفصيل قاطع للشركة .
وإن أراد به أنّ خبر الفاسق لمّا كان غير مفيد للاطمئنان غالبا ، وخبر العادل مفيدا له كذلك ، حكم اللّه تعالى بعدم وجوب التبيّن عن خبر العادل مطلقا ، بأن كان ذلك حكمة في الحكم بعدم وجوب التبيّن عن خبر العادل لا علّة له ، يرد عليه منع اندفاع الإيراد المذكور حينئذ ، لبقاء التعارض حينئذ بين عموم العلّة وعموم المفهوم بالنسبة إلى الفرد النادر .
نعم ، لو كان خبر العادل مفيدا للاطمئنان مطلقا وخبر الفاسق غير مفيد له أصلا - كما هو ظاهر كلامه أخيرا - اتّجه ما ذكره . وقد يقال في تقريب ذلك :
إنّ المراد بالفاسق في الآية من خرج من طاعة اللّه تعالى ولو بالصغائر كما هو معناه لغة ، فيكون المراد بالعادل بقرينة المقابلة في طرف المفهوم من لم يخرج من طاعة اللّه سبحانه ولو بصغيرة أصلا ، ولا ريب في إفادة خبر مثله للوثوق ، بل وكذلك من تاب بعد الفسق بلا فصل إن قلنا بشمول العدالة في المقام له . وأمّا خبر الفاسق فهو وإن فرض إفادته للاطمئنان والوثوق أحيانا ، إلّا أنّه اطمئنان في بادئ النظر ، ويزول بالالتفات إلى فسقه وعدم مبالاته المعصية ، وإن كان متحرّزا عن الكذب كما صرّح به المصنّف رحمه اللّه أخيرا .