في الحكم بين ما يتراءى متخالفة ، وفرّق بين ما يتخيّل متآلفة . وكفاك في هذا عموم ما ورد من « أنّ دين اللّه لا يصاب بالعقول » 4 ، و « أنّ السنّة إذا قيست محقّ الدين » 5 ، و « أنّه لا شيء أبعد عن عقول الرجال من دين اللّه » وغيرها ممّا دلّ على غلبة مخالفة الواقع في العمل بالقياس ، وخصوص رواية أبان بن تغلب الواردة في دية أصابع الرجل والمرأة الآتية .
وفيه : أنّ منع حصول الظنّ من القياس في بعض الأحيان مكابرة مع الوجدان .
وأمّا كثرة تفريق الشارع بين المؤتلفات وتأليفه بين المختلفات ، فلا يؤثّر في منع الظنّ ؛ لأنّ هذه الموارد بالنسبة إلى موارد الجمع بين المؤتلفات أقلّ قليل . نعم ، الإنصاف : أنّ ما ذكر من الأخبار في منع العمل بالقياس موهن قويّ يوجب غالبا ارتفاع الظنّ الحاصل منه في بادئ النظر ، أمّا منعه عن ذلك دائما فلا ، كيف ؟ وقد يحصل من القياس القطع ، وهو المسمّى عندهم بتنقيح المناط القطعي . وأيضا فالأولويّة الاعتباريّة من أقسام القياس ، ومن المعلوم إفادتها للظنّ ، ولا ريب أنّ منشأ الظنّ فيها هو استنباط المناط ظنّا ، وأمّا آكديّته في الفرع فلا مدخل له في حصول الظنّ .
شرح
إذا قيست محقّ الدين ، وما ورد عن أبي الحسن موسى عليه السّلام حيث سئل عن العمل بالقياس فقال : « وما لك والقياس ، إنّ اللّه تعالى لا يسأل كيف أحلّ ؟ وكيف حرّم ؟ » سيّما مع جمع الشارع في الحكم بين المختلفات وتفريقه بين المؤتلفات كما في منزوحات البئر وغيرها ، لأنّه مع ملاحظة ذلك كلّه لا يمكن حصول الظنّ باتّحاد حكم الفرع مع الأصل بمجرّد الظنّ بالمناسبة واتّحادهما في العلّة .
ثمّ أكّد ذلك بالأخبار الدالّة على أنّ أوّل من قاس إبليس ، حيث ذكروا في وجه الردع أنّه لم يعرف الفرق بين النار والطين وبين آدم ونفسه ، فقاس آدم على نفسه . وبما دلّ على وجه بطلان القياس حيث قال : وقد ذكروا عليهم السّلام في الأخبار مواضع شتّى في ردّ أبي حنيفة تدلّ على عدم حجّية القياس في الأصل ، مثل أنّ القتل يثبت بشاهدين والزنا لا يثبت إلّا بالأربع ، مع أنّ القتل أكبر . والمني يوجب الغسل والبول يوجب الوضوء ، مع أنّه أكبر ، وأنّ صوم الحائض يقضى