ولا يخفى : أنّ شيئا من ( 956 ) الأخبار الواردة على أحد هذه الوجوه المتقدّمة لا يدلّ على حرمة العمل بالقياس الكاشف عن صدور الحكم عموما أو خصوصا عن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله أو أحد امنائه صلوات اللّه عليهم أجمعين مع عدم التمكّن من تحصيل العلم به ولا الطريق الشرعيّ ، ودوران الأمر بين العمل بما يظنّ أنّه صدر منهم عليهم السّلام والعمل بما يظنّ أنّ خلافه صدر منهم ، كمقتضى الأصول المخالفة للقياس في موارده أو الأمارات المعارضة له . وما ذكرنا واضح على من راعى الإنصاف وجانب الاعتساف .
وإن كان الدليل هو الإجماع بل الضرورة عند علماء المذهب كما ادّعي ، فنقول إنّه كذلك ، إلّا أنّ دعوى الإجماع والضرورة على الحرمة في كلّ زمان ممنوعة .
ألا ترى : أنّه لو فرض - والعياذ باللّه - انسداد باب الظنّ من الطرق السمعيّة لعامّة المكلّفين أو لمكلّف واحد باعتبار ما سنح له من البعد عن بلاد الإسلام ، فهل تقول :
إنّه يحرم عليه العمل بما يظنّ بواسطة القياس أنّه الحكم الشرعيّ المتداول بين المتشرّعة وأنّه مخيّر بين العمل به والعمل بما يقابله من الاحتمال الموهوم ، ثمّ تدّعي الضرورة على ما ادّعيته من الحرمة ؟ حاشاك !
شرح
956 . أمّا الصنف الأوّل ، فلأنّه لا ريب في حرمة العمل بالقياس في قبال الأئمّة عليهم السّلام وقولهم ، سواء كان باب العلم مفتوحا أم منسدّا . فهذا لا يدلّ على المنع فيما كان المقصود من العمل به تحصيل الظنّ بالأحكام التي جاء بها النبيّ صلّى اللّه عليه وآله وبينها الأئمّة عليهم السّلام ، لا في مقابل قولهم .
وأمّا الثاني ، فلكون هذه الأخبار واردة في مقام مبالغة كثرة تخلّفه عن الواقع ، نظير قوله تعالى :إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً *. وظاهر أنّ هذا الصنف مختصّ بزمان الانفتاح كالآية الكريمة ، إذ لو نهض لإثبات عدم جواز العمل بالقياس في زمان الانسداد ، لنهضت الآية والأخبار الواردة في النهي عن العمل بالظنّ لإثبات حرمته أيضا في زمان الانسداد ، بل التأمّل فيها يقضي بكون المقصود منها النهي عن العمل بالظنّ . ولعلّ تخصيص القياس بالذكر إنّما هو لشيوع عمل العامّة به في زمان الأئمّة عليهم السّلام . ومن هنا يظهر الوجه في عدم دلالة الصنف الثالث أيضا .