شرح
والميزان في تمييز الأقسام مطلقا أو في الجملة في مثل هذه الموارد أمور :
أحدها : إقامة الشارع بعض الأمارات في بعض الموارد مقام العلم الذي اشتبهت حاله بين أقسامه ، فإنّه من ذلك يظهر عدم كون اعتباره من باب الصفة الخاصّة ، لما تقدّم من عدم قيام الأمارات مقام العلم المعتبر كذلك ، فيدور الأمر حينئذ بين باقي الأقسام . وذلك كما في باب الشهادة ، لتجويز الشارع بنائها على قاعدة اليد ، كما في رواية حفص عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنّه : « قال له رجل : أرأيت إذا رأيت شيئا في يدي رجل أيجوز لي أن أشهد أنّه له ؟ قال : نعم . قال الرجل : أشهد أنّه في يده ، ولا أشهد أنّه له فلعلّه لغيره ؟ فقال له أبو عبد اللّه عليه السّلام : أفيحلّ الشراء منه ؟ قال : نعم . فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام : فلعلّه لغيره ، فمن أين جاز لك أن تشتريه ويصير ملكا لك ثمّ تقول بعد الملك : هو لي ، ولا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك ؟ ثمّ قال عليه السّلام : لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق » . وإلى هذا الوجه أشار المصنّف رحمه اللّه بقوله : « إلّا أن يثبت من الخارج أنّ كلّ ما يجوز العمل به . . . » .
وثانيها : مراجعة الأدلّة الشرعيّة ، فربّما يظهر من نفس الدليل الذي أوجب الشبهة ما يزيلها ، وربّما يظهر ذلك من دليل آخر . فتمكن إزالة الشبهة في مسألة النجاسة من ملاحظة الحديث الذي توهّم منه صاحب الحدائق كون النجاسة الواقعيّة محمولة على الأعيان المعلومة ، وهو قوله عليه السّلام : « كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر » فإنّ الحكم بالنجاسة وإن كان في ظاهر الرواية مرتّبا على العلم بالقذارة ، إلّا أنّ القذارة هي النجاسة ، وقد جعلها الشارع متعلّقة للعلم ، فلو كانت النجاسة الواقعيّة أيضا مرتّبة على العلم بها لزم منه تقدّم الشيء على نفسه ، فلا بدّ حينئذ أن يكون المراد من العلم في الرواية ما كان معتبرا من باب الطريقيّة المحضة ، لا ما كان جزءا من موضوع الحكم الواقعي .
ويمكن استعلام ذلك من ملاحظة سائر الأدلّة أيضا ، فإنّ النجاسة فيها