ثمّ إن استمرّ هذا الحكم الظاهري - أعني الترخيص في ترك الظهر إلى آخر وقتها - وجب كون الحكم الظاهري بكون ما فعله في أوّل الوقت هو الواقع المستلزم لفوت الواقع على المكلّف مشتملا على مصلحة يتدارك بها ما فات لأجله من مصلحة الظهر ؛ لئلّا يلزم تفويت الواجب الواقعي على المكلّف مع التمكّن من إتيانه بتحصيل العلم به . وإن لم يستمرّ ، بل علم بوجوب الظهر في المستقبل ، بطل وجوب العمل على طبق وجوب صلاة الجمعة واقعا ، ووجب العمل على طبق عدم وجوبه في نفس الأمر من أوّل الأمر ؛ لأنّ المفروض عدم حدوث الوجوب النفس الأمري ، وإنّما عمل على طبقه ما دامت أمارة الوجوب قائمة ، فإذا فقدت - بانكشاف وجوب الظهر وعدم وجوب الجمعة - وجب حينئذ ترتيب ما هو كبرى لهذا المعلوم - أعني وجوب الإتيان بالظهر - ونقض آثار وجوب صلاة الجمعة إلّا ما فات منها ؛ فقد تقدّم أنّ مفسدة فواته متداركة بالحكم الظاهري المتحقّق في زمان الفوت . فلو فرضنا العلم بعد خروج وقت الظهر ، فقد تقدّم أنّ حكم الشارع بالعمل بمؤدّى الأمارة - اللازم منه ترخيص ترك الظهر في الجزء الأخير - لا بدّ أن يكون لمصلحة يتدارك بها مفسدة ترك الظهر .
شرح
وهنا وجه ثالث يظهر في الجملة من المحقّق القمّي رحمه اللّه في بعض كلماته ، وهو كون المصلحة في وضع الأمارات الظنّية وجود ترياق يتدارك به ما يرد من النقص بالعمل بها ، وإن كان ذلك بتحمّل سائر التكاليف الشاقّة والمجاهدات الصعبة ، بل نفس تحمّل المشقّة وبذل الجهد في تحصيل الظنّ بالأحكام الشرعيّة ، واليأس عن إدراك الواقع والأسف عليه ، ربّما يتضمّن ما يتدارك به ما يفوت من مصلحة الواقع .
وهذه الوجوه كما ترى متّفقة في الجملة على كون المصلحة في نفس الأمر دون الفعل المأمور به ، وإن اختلفت في تعيين المصلحة . وهي مؤيّدة لما ذكره المصنّف رحمه اللّه من نفي كون المصلحة في الفعل . نعم ، تعيين كونها في سلوك الطريق ، أو في نفس الأمر ، وأنّها حسن صفة الظنّ ، أو الحرج النوعي ، أو وجود الترياق يحتاج