وأخرى : بأن هذا الدليل أخص من المدعى ، لأن استبانة سوق المسلمين متوقفة على العمل بأصالة الصحة في العقود والايقاعات فقط ، إذ مع عدم العمل بها في العبادات بل في المعاملات بالمعنى الأعم - كالطهارة والنجاسة - لم يلزم اختلال في السوق .
ولا يخفى : أن نظر المستشكل الأول « 1 » أنه اقتصر في إشكاله على لزوم التمسك بقاعدة أصالة الصحة بباب الأملاك بأنه لا حاجة إليها لوجود قاعدة اليد . فهو وإن كان كذلك ، إلا أن الحاجة إلى أصالة الصحة غير منحصرة بخصوص الاملاك التي تكون اليد فيها حجة وتغنينا عن الرجوع إلى أصالة الصحة غالبا ، لوضوح كثرة الاحتياج إليها في ما عدا باب الأملاك من أبواب الايقاعات ، مثل باب الطلاق والعتق وأمثال ذلك ، بل كثير من العقود كالنكاح والضمان والإجارة ، إذا لم تقع على الأعيان ، بل إذا وقعت على الأبدان والأعمال ، وصار فعل أحد المتعاقدين موضوعا للحكم والأثر لثالث ، بحيث لو كانت الإجارة باطلة يصح استيجاره مثلا ، ولو كانت صحيحة لا يصح كالحج وسائر النيابات من الزيارات والعبادات - عند تضيق أوقاتها وتعينها - وأقسام الوكالات بالعقد والإجارات ، ومثل تطهير الثياب والأواني وغيرها الصادرة من الخدم والعمال بل الأصدقاء بل وأفراد العائلة ، فإنها لولا أصالة الصحة في الأفعال ، لاختلت أبواب المعاشرات ، وكذا أقسام النيابات ، بل عليها يدور رحى صلاة الجماعات ، فإنه لولا حمل فعل الامام والمأمومين على الصحة ، لا يصح الايتمام من المتصل بالامام والمنفصل عنه ، إلى غير ذلك مما لا يكون فيه بدّ إلا إجراء أصالة الصحة في أفعال العباد في العبادات والمعاملات ، وإلا لاختل نظام العقلاء والمسلمين ولا يبقى لهم سوق يقام بها أمور الدنيا ، ولا مرجع يعتمد عليه في أمور الدين .
ولعل وجه اقتصاره على خصوص أبواب الأملاك ، استدلال المصنف « قدّس سرّه » بالحديث الشريف المروي عن علي بن إبراهيم بسنده عن أبي عبد اللّه عليه السلام حيث
هامش
( 1 ) . هو الميرزا النائيني « قده » .